الفقه وأصوله · أحكام الوظائف

ما حكم راتبه في العمل كجامع تبرعات لمؤسسة خيرية غير إسلامية ؟

سؤال وجواب رقم ٣١٬٧١٦

السؤال

هل يجوز لي العمل كجامع تبرعات لمؤسسة خيرية غير إسلامية ؟ وهل ما أحصل عليه من راتب يُعد حلالاً ؟ وهل يجوز أن أحث المسلمين على التبرع لهذه الجمعية ؟ وهل أحصل على أجر وثواب لقاء كل ذلك؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الجواب :

أولاً :

إن كان عمل هذه الجمعية يقتصر على الأعمال الخيرية الإغاثية ، من إعانة الفقراء والبؤساء والمحتاجين ، ومساعدة العجزة والأرامل والأيتام والمرضى ، وإغاثة المنكوبين ، وغير ذلك من أعمال الخير ، فلا حرج من العمل معها ، والراتب الذي تتقاضاه على هذا العمل مباح لا حرج فيه .

فالأعمال الخيرية الإغاثية مندوب إليها عموماً ، ولو كان القائمون عليها من غير المسلمين ، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين في حلف الفضول ، وهو حلف قائم على نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف .

وقال : ( لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ ) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (6/596) ، وينظر: " صحيح السيرة النبوية " للألباني (ص: 35).

ثانياً :

لا حرج من دعوة المسلمين للتبرع لهذه الجمعية من أموال الصدقة العامة ، لأن الصدقة على غير المسلمين من البر الذي أذن الله لنا فيه ، فقال : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين ).

قال الإمام الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى الْمُشْرِكِ مِنْ النَّافِلَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ مِنْ الصَّدَقَةِ حقٌّ ، وَقَدْ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا فَقَالَ : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ". انتهى، " الأم " (2/65) .

قال ابن كثير : " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( كَانَ أُسَرَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكِينَ) ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُكْرِمُوا الْأُسَارَى ، فَكَانُوا يُقَدِّمُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْغَدَاءِ ". انتهى من " تفسير ابن كثير" (8/ 288) .

قال المرداوي : " تَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْكَافِرِ " انتهى من "الإنصاف" (3/268) .

وقال الشيخ ابن عثيمين : " تجوز الصدقة على الكافر بشرط : ألا يكون ممن يقاتلوننا في ديننا ، ولم يخرجونا من ديارنا ، لكن إذا كان قومه يقاتلوننا في الدين أو يخرجوننا من ديارنا فلا نتصدق عليه " ، انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (100/ 32 ، بترقيم الشاملة آليا) .

وينظر : جواب السؤال (3854).

ثالثاً :

أما الحصول على الثواب والأجر من وراء هذا العمل ، فيتوقف على نيتك وقصدك منه ، فإن أحسنت النية وقصدت نفع الفقراء والمحتاجين وإعانتهم ، فلك الأجر من الله على ذلك .

وقد حمد الله الصحابة لإطعامهم الأسرى المشركين ، وأنه كانوا يفعلون ذلك ابتغاء الأجر والثواب من الله ، فقال : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) الإنسان/ 9،8.

قال جمال الدين القاسمي : " والآية تدل على أن إطعام المشرك مما يتقرب به إلى الله تعالى ، لقوله سبحانه: ( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ) أي قائلين ذلك بلسان الحال أو المقال .. فلا نقصد بإطعامكم إلا ثوابه تعالى والقربة إليه والزلفى عنده". انتهى من " محاسن التأويل" (9/375).

وقال صلى الله عليه وسلم : (فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) رواه البخاري (2466) ، ومسلم (2244) .

وهو صريح الدلالة في أن الصدقة على كل مخلوق حي فيها أجر وثواب من الله ، ومن أعان على ذلك وساهم فيه ، ناله نصيبه من الأجر ، بلا شك .

رابعاً :

إذا كان لهذه الجمعية غايات ومقاصد أخرى غير الأعمال الإغاثية ، كالتبشير والدعوة للنصرانية ، أو نشر بعض المناهج المنحرفة والفاسدة ، أو حرب المسلمين ، والسيطرة على بلادهم ، ونهب ثرواتهم : فلا يجوز العمل معهم حينئذ بأي حال من الأحوال ، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ، ويكون الراتب الذي تتقاضاه على هذا العمل حينئذٍ سحت وحرام .

وينظر جواب السؤال (145321) .

والله أعلم

الباب: الفقه وأصوله·أحكام الوظائف

سؤال رقم ٣١٬٧١٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب أحكام الوظائف ‹