الفقه وأصوله · الأيمان والنذور

حلف بالمصحف ألا يفعل معصية ثم فعلها

سؤال وجواب رقم ٥٬٦٤٤

السؤال

كنت أرتكب معصية فوضعت يدي على المصحف ، وأقسمتُ أني لن أعود إلى هذا الفعل مرة أخرى ، علماً أنى أريد إرضاء الله ، والتشديد على نفسي بالامتناع عن ذلك الفعل بالقسم ، ثم وقعت في تلك المعصية ، مرة ناسياً القسم ، ومرتين متذكراً القسم ، فهل من توبة ؟ هل من كفارة ؟ وما هي ؟ علماً بأني طالب ، ومازلت آخذ أموالي من والدتي ، ولا أعلم مساكين في بلدي - لكن يوجد أكيد الكثيرين ، لكن لست أعرفهم - كما أن تلك الأموال قد ترهق أمي ماديّاً ، ولكنها ستعطيني إياها إن طلبتها ، وأسألكم الدعاء لي بأن تدمع عيني ، ويخشع قلبي ، ويستجاب لي .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

نسأل الله تعالى أن يطهِّر قلبك وجوارحك ، وأن يحفظ عليك دينك ، وأن يجنبك الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .

أما فعلك للمعصية نسياناً لليمين ، فلا كفارة عليك فيه .

وأما فعلك للمعصية عامداً ، ذاكراً ليمينك مرتين : فإن عليك كفارة يمين واحدة .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

"الواجب على من حلف على ألا يفعل معصية : أن يثبت على يمينه ، وألا يعصي الله عز وجل ، فإن عاد إلى المعصية مع حلِفه ألا يفعلها : فعليه كفارة يمين ، وهي عتق رقبة ، أو إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، والصوم لا يجزئ في كفارة اليمين إلا مَن عجز عن هذه الأشياء الثلاثة : العتق ، والإطعام ، والكسوة ، وأما مَن قدِر : فلو صام ثلاثة أشهر : لا يجزئه .

وإني أنصح هذا الأخ أن يكون قوي العزيمة ، ثابتاً ، وألا يجالس أهل المعصية التي تاب منها ، بل يبتعد عنهم ، حتى يستقر ذلك في نفسه" انتهى .

" فتاوى نور على الدرب " لابن عثيمين - ( الشريط رقم 374 ، وجه ب ) .

وبما أنك تخبر أنك طالب ، وأنك لا تستطيع الإطعام ولا الكسوة : فعليك بصيام ثلاثة أيام ، كفارةً لهذا اليمين ، والأولى أن تكون متتابعة ، ولو صمتها مفرقة فلا حرج في ذلك .

وانظر جواب السؤال رقم : (103424) .

مع التنبيه على أن هذه الكفارة هي مقابل حنثك في يمينك ، لا في مقابل المعصية ، وإنما تحتاج لتوبة صادقة من فعل تلك المعصية .

ثانياً :

أما تغليظ اليمين بوضع اليد على المصحف : فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحدٍ من أصحابه ، بل الظاهر أنه بدعة ، واليمين ينعقد بالقسم نفسه ، ولا حاجة لتغليظه بوضع اليد على المصحف .

قال القرطبي رحمه الله :

وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف ، قال ابن العربي : وهو بدعة ، ما ذكرها أحد قطُّ من الصحابة .

" تفسير القرطبي " ( 6 / 354 ) .

وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله رادّاً على من أجاز تغليظ اليمين بالمصحف - :

قال الشافعي : رأيتهم يؤكدون بالمصحف ، ورأيتُ " ابن مازن " وهو قاضي بصنعاء يغلظ بالمصحف .

قال أصحابه : فليغلظ عليه بإحضار المصحف ؛ لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه .

(قال ابن قدامة) : وهذا زيادة على ما أمر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في اليمين ، وفعلَه الخلفاء الراشدون ، وقضاتُهم ، من غير دليل ، ولا حجة يستند إليها ، ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لفعل ابن مازن ، ولا غيره .

" المغني " ( 12 / 119 ) .

واعلم أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده النادمين ، وأنه تعالى يحب التوابين ، ويحب المتقين ، فإذا أريت الله صدقاً في توجهك وتقربك لك : أعانك ، ووفقك ، وسددك ، ورقق قلبك ، وأدمع عينك .

واعلم أنه إن قسا القلب : قحطت العين ، فإذا أردت رقة القلب ، ودمع العين : فعليك بالطاعات ، فافعلها ، وبالمعاصي ، فاهجرها ، واحرص على الصحبة الطيبة ، ومجالس العلم، وعلى أذكار الصباح والمساء ، وعلى ورد قرآني تقرأه كل يوم ، واحرص على القيام والصيام ، فهما يرققان القلب ، ويهذبان الجوارح ، بتوفيق الله ، وفضله .

واحذر من القنوط من رحمة الله ، فالله تعالى عفوٌّ ، يحب العفو ، فسارع إلى ربك بتوبة صادقة ، واعزم على عدم العود لكل ما يُسخط ربك تعالى .

وللفائدة : انظر جواب السؤال رقم : (23491) .

ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك ممن يخشونه حق خشيته .

والله أعلم

الباب: الفقه وأصوله·الأيمان والنذور

سؤال رقم ٥٬٦٤٤

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأيمان والنذور ‹