الفقه وأصوله · الزنا واللواط

هل يقام الحد على البكر الحامل من الزنا ؟

سؤال وجواب رقم ٨٬٠٨٧

السؤال

هل يُطبق حد الزنا ؛ جلد مائة وتغريب عام ، على امرأة حامل في شهرها الرابع ؟ أم ننتظر إلى ما بعد فترة الرضاع ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

من مقاصد الشريعة في تشريع الحدود : تأديب العاصي وزجره عن معصيته ، حتى لا يعود إليها مرة أخرى ، وليس من مقاصدها : إهلاكه ، ولذلك قال الفقهاء بتأخير إقامة الحد عن الإنسان في الحال التي تكون إقامتها مظنة لهلاكه ، أو هلاك معصوم غيره .

قال ابن القيم -رحمه الله- في " إعلام الموقعين "(3/ 14): "وَتَأْخِيرُ الْحَدِّ لِعَارِضٍ : أَمْرٌ وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ ، كَمَا يُؤَخَّرُ عَنْ : الْحَامِلِ ، وَالْمُرْضِعِ ، وَعَنْ وَقْتِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، وَالْمَرَضِ " انتهى .

وقد ثبتت السنة بتأخير إقامة الحد على الحامل ، حتى تضع ما في بطنها .

روى مسلم في صحيحه (1695) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي ، فَقَالَ : ( وَيْحَكِ ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ ) ، فَقَالَتْ : أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ ؟ ، ( قَالَ وَمَا ذَاكِ ؟ ) ، قَالَتْ : إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى . فَقَالَ لَهَا : حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ .

قَالَ : فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ ؟ قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ ، فَقَالَ : ( إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ ) .

فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَالَ فَرَجَمَهَا ".

قال النووي رحمه الله : " فِيهِ أَنَّهُ لَا تُرْجَمُ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زِنًا أَوْ غَيْرِهِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُقْتَلَ جَنِينُهَا ، وَكَذَا لَوْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ وَهِيَ حَامِلٌ لَمْ تُجْلَدْ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى تَضَعَ " انتهى من " شرح صحيح مسلم " (11/344) .

وقال ابن قدامة : " وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى أَوْ غَيْرِهِ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ... وَلِأَنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا إتْلَافًا لَمَعْصُومٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا أَوْ غَيْرَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْوَلَدِ مِنْ سِرَايَةِ الضَّرْبِ وَالْقَطْعِ ، وَرُبَّمَا سَرَى إلَى نَفْسِ الْمَضْرُوبِ وَالْمَقْطُوعِ ، فَيَفُوتُ الْوَلَدُ بِفَوَاتِهِ ".

انتهى من "المغني" (12/327) .

وقال الكاساني مبيناً شروط إقامة الحد : " وَمِنْهَا : أَنْ لَا يَكُونَ فِي إقَامَةِ الْجَلَدَاتِ خَوْفُ الْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا لَا مُهْلِكًا ، فَلَا يَجُوزُ الْإِقَامَةُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ ؛ لِمَا فِي الْإِقَامَةِ فِيهِمَا مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ ، وَلَا يُقَامُ عَلَى مَرِيضٍ حَتَّى يَبْرَأَ ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ وَجَعُ الْمَرَضِ وَأَلَمُ الضَّرْبِ ؛ فَيُخَافُ الْهَلَاكُ ، وَلَا يُقَامُ عَلَى النُّفَسَاءِ حَتَّى يَنْقَضِيَ النِّفَاسُ ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ نَوْعُ مَرَضٍ .

وَلَا يُقَامُ عَلَى الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ وَتَطْهُرَ مِنْ النِّفَاسِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَوْفَ هَلَاكِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدَةِ ".

انتهى من " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع " (7/ 59) .

ثانياً :

إذا ولدت الحامل ، فلا يقام عليها حد الزنا حتى تنتهي من نفاسها .

لحديث علي بن أبي طالب : " إِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا ، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ( أَحْسَنْتَ ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ ) " [ أي تقارب الشفاء ] ، رواه مسلم في صحيحه (1705).

قال النووي : " فِيهِ أَنَّ النُّفَسَاءَ وَالْمَرِيضَةَ وَنَحْوَهُمَا يُؤَخَّرُ جَلْدُهُمَا إِلَى الْبُرْءِ ".

انتهى من " شرح صحيح مسلم " (11/214) .

قال ابن قدامة : " وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْوَلَدَ ، وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ ، وَكَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُهَا ، أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا ، أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ تَلَفُهَا ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى .

وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ " انتهى من " المغني " (12/ 329) .

وجاء في " المدونة " للمالكية (4/ 514): " قُلْتُ : أَرَأَيْتَ الْبِكْرَ الْحَامِلَ مِنْ الزِّنَا ، أَتُجْلَدُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا ؟ أَمْ تُؤَخَّرُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: تُؤَخَّرُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ : فَإِذَا وَضَعَتْ ، أَتَضْرِبُهَا أَمْ حَتَّى يَجِفَّ دَمُهَا وَتَتَعَافى مِنْ نِفَاسِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟

قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرِيضِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ : إنَّهُ لَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ وَيُؤَخَّرُ وَيُسْجَنُ ، فأَرَى النِّفَاسَ مَرَضًا مِنْ الْأَمْرَاضِ ، وَأَرَى أَنْ لَا يُعَجَّلَ عَلَيْهَا ". انتهى .

ثالثاً :

إذا انتهت المرأة الزانية من نفاسها وتعافت من ضعفها يقام عليها حد الجلد ، ولا يؤخر حتى تنتهي من فطام رضيعها ؛ لأن الجلد لا يحول بينها وبين رضاع صغيرها.

جاء في "الموسوعة الفقهية" (32/ 181) : " وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا ، فَلاَ أَثَرَ لِلْفِطَامِ فِيهِ ".

وهذا بخلاف حد الرجم ، فلا ترجم الزانية حتى ترضع صغيرها وتفطمه ، إن لم يوجد من يقوم برضاعته .

قال ابن قدامة : " فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا ، لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ [وهو اللبن أول النتاج لاحتياج الولد إليه غالبا] ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ ، أَوْ تَكَفَّلَ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ ، وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ " .

انتهى من "المغني" (12/329) .

رابعاً :

ومن العقوبات الشرعية للزاني البكر : تغريبه وإبعاده عن بلده مسافة لا تقل عن مسافة القصر ، وهذا الحكم يشمل الرجل والمرأة على أرجح الأقوال .

والظاهر لا يؤخر هذا الحكم عن المرأة لكونها حامل ؛ لأن التغريب لا يضر حملها شيئاً .

قال الشبراملسي في " حاشيته على نهاية المحتاج " (7/ 303) : " تُغَرَّبُ ، وَيُؤَخَّرُ الْجَلْدُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِ التَّغْرِيبِ " انتهى .

ويحتمل أن يقال بتأخير التغريب أيضا ، كما يؤخر الرجم ؛ لما ذكره ابن حزم ، رحمه الله ، في "المحلى بالآثار" (12/ 101) " وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : " أَتَى رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أُخْتَهُ أَحْدَثَتْ - وَهِيَ فِي سِتْرِهَا وَأَنَّهَا حَامِلٌ - فَقَالَ عُمَرُ: أَمْهِلْهَا حَتَّى إذَا وَضَعَتْ وَاسْتَقَلَّتْ فَآذَنِّي بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْ جَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا إلَى الْبَصْرَةِ عَامًا ".

وظاهر هذا الأثر أن التغريب كان بعد وضع الحمل ، لكن لم نقف على هذا الأثر إلا في المحلى ، ولم يذكر ابن حزم سنده فيه عن عروة .

واشترط العلماء لتغريب المرأة : أن يكون معها من يحفظها من محرم أو زوج ، فلو لم يوجد المحرم لم يجز تغريبها ، وينظر: جواب السؤال : (198743) .

ومن المهم هنا التنبيه على أن الحدود لا يقيمها إلا السلطان الشرعي ، وليس من حق الأفراد إقامة الحدود على أنفسهم أو غيرهم .

قال فخر الدين الرازي في " تفسيره "(11/ 356) : " وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْجُنَاةِ ، بَلْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْأَحْرَارِ الْجُنَاةِ إِلَّا لِلْإِمَامِ " انتهى ، وينظر جواب السؤال : (12461) .

فإذا لم يكن هناك إمام يقيم الحد ، فليجتهد العبد في أن يطهر نفسه بالتوبة النصوح ؛ إذ فاته التطهير بإقامة الحد الشرعي عليه ، وليجتهد ـ بقية عمره ـ في عمل صالح ، لعل الله يذهب عنه بلاء ذنبه بذلك ، إن الحسنات : يذهبن السيئات !!

هذا ، مع أن من وقع في ذنب موجبٍ للحد ، فالمستحب له أن يستر نفسه ويتوب فيما بينه وبين الله ، وينظر جواب السؤال : (27113) ، (47834) .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·الزنا واللواط

سؤال رقم ٨٬٠٨٧

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الزنا واللواط ‹