القرآن وعلومه · تفسير القرآن
هل يوجد صنف من الملائكة لم يؤمروا بالسجود لآدم ؟
السؤال
هل هناك ملائكة أخرى لم تؤمر بالسجود كما يشاع ؟ وما معنى كنت من العالين ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أمر الله عز وجل جميع الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام ، وهذا الأمر واضح بيّن في كتاب الله سبحانه وتعالى ، وهو مؤكد في مواضع عديدة من القرآن ، قال تعالى ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) الحجر/30 .
ومما يؤثر عن بعض المتصوفة والفلاسفة ، أنهم قالوا : لم يسجد جميع الملائكة لآدم ، بل إن هناك نوعا من الملائكة "مهيّمين" في ذات الله تعالى ، "مُغَيَّبين" عن شهود سوى ذات الله ، لم يشملهم الأمر بالسجود .
وقد زعم هؤلاء أن القرآن أشار إلى ذلك بقوله ( أم كنت من العالين ) ، يشير به إلى الملائكة أصحاب الدرجات العالية ، الذين لم يؤمروا بذلك – كما يزعمون - .
ولا شك أن هذا غلط ظاهر ، وخروج بنظم القرآن عن وجهه ، وبسياق قصة آدم ، عليه السلام ، وسجود الملائكة له ، عن مقتضاها .
وبطلان هذا القول ، من نفس النظم ، وسياق الآيات من وجوه :
أولها : "الـ" التي هي لاستغراق الجنس ، في قوله (فسجد الملائكة) .
ثانيها : التوكيد بلفظة "كلهم" .
ثالثها : توكيد التوكيد بلفظة "أجمعون" .
وعلى ذلك ؛ الآية في قصة آدم : استفهام مفاده توبيخ إبليس لتكبره وتعاليه عن السجود وامتثال أمر الله، وهو لا يخلو : إما أن يكون كبرا اعتراه تلك الساعة ، أو أنه ذو كبر وعلو سابق.
قال الطبري :
" يقول لإبليس: تعظَّمْتَ عن السجود لآدم، فتركتَ السجود له استكبارا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك ؟
( أم كنت من العالين ) يقول: أم كنت كذلك من قبل ، ذا علو وتكبر على ربك" انتهى "تفسير الطبري" (21/239) .
وقال الزركشي :
" قوله: كلهم يُفِيدُ الشُّمُولَ وَالْإِحَاطَةَ ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفِيدَ: أَجْمَعُونَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ اجْتِمَاعُهُمْ في السجود .
هذا في اللفظ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى : فَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَكُنْ لِيَتَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عنده ، ولاسيما وَقَدْ وُقِّتَ لَهُمْ بِوَقْتٍ ، وَحُدَّ لَهُمْ بِحَدٍّ ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ وَنَفْخِ الرُّوحِ . فَلَمَّا حَصَلَ ذَلِكَ سَجَدُوا كُلُّهُمْ ، عَنْ آخِرِهِمْ ، فِي آنٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ .
فَعَلَى هَذَا يُخَرِّجُ كَلَامَ الْمُبَرِّدِ الزَّمَخْشَرِيُّ .
وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ : أَنَّ السُّجُودَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ عَلَى (الْكُلِّ) ، بدليل قوله: أستكبرت أم كنت من العالين = مَرْدُودٌ ، بَلْ : الْعَالُونَ : الْمُتَكَبِّرُونَ .
وَفِي رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَاءِ : أَنَّ الْعَالِينَ هُمُ الْعُقُولُ الْعَاقَّلةُ الَّتِي لَمْ تَسْجُدُ .
وَهَذَا تَحْرِيفٌ . وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْعُقُولِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الْفَلَاسِفَةُ" انتهى من "البرهان في علوم القرآن" (2/388) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
" رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَوَّلِينَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ سَجَدُوا لِآدَمَ : مَلَائِكَةٌ فِي الْأَرْضِ فَقَطْ؛ لَا مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ ، دُونَ الكروبيين .
وَانْتَحَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَاسْتَنْكَرَ سُجُودَ الْأَعْلَيْن مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ ، مَعَ عَدَمِ الْتِفَاتِهِمْ إلَى مَا سِوَى اللَّهِ ؟
وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ: " إنَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ خَلْقا ، لَا يَدْرُونَ: أَخُلِقَ آدَمَ أَمْ لَا "؟
وَنَزَعَ بِقَوْلِهِ: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ؛ وَالْعَالُونَ هُمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ ، وَمَلَائِكَةُ السَّمَاءِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ؟ " .
ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله :
" فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَوَّلًا : لَيْسَ مَعَهَا مَا يُوجِبُ قَبُولَهَا؛ لَا مَسْمُوعٌ وَلَا مَعْقُولٌ ، إلَّا خَوَاطِرُ وَسَوَانِحُ وَوَسَاوِسُ مَادَّتُهَا مِنْ عَرْشِ إبْلِيسَ ، يَسْتَفِزُّهُمْ بِصَوْتِهِ ، لِيَرُدَّ عَنْهُمْ النِّعْمَةَ الَّتِي حَرَصَ عَلَى رَدِّهَا عَنْ أَبِيهِمْ قَدِيمًا .
أَوْ : مَقَالَةٌ قَدْ قَالَهَا مَنْ يَقُولُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ؛ لَكِنَّ مَعَنَا مَا يُوجِبُ رَدَّهَا مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْلِيدِ ، فَتَقْلِيدُهُمْ أَوْلَى.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَخِلَافُ نَصِّهِ .
فَإِنَّ الِاسْمَ الْمَجْمُوعَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ : يُوجِبُ اسْتِيعَابَ الْجِنْسِ ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) ، فَسُجُودُ الْمَلَائِكَةِ يَقْتَضِي جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ . هَذَا مُقْتَضَى اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ ؛ فَالْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ الْقَوْلِ الْعَامِّ إلَى الْخُصُوصِ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَصْلُحُ لَهُ ، وَهُوَ مَعْدُومٌ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَ: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَالِاسْتِغْرَاقَ ، لَكَانَ تَوْكِيدُهُ بِصِيغَةِ (كُلّ) : مُوجِبَةً لِذَلِكَ ، وَمُقْتَضِيَةً لَهُ .
ثُمَّ ، لَوْ لَمْ يُفِدْ تِلْكَ الْإِفَادَةَ ، لَكَانَ قَوْلُهُ (أَجْمَعُونَ) تَوْكِيدًا وَتَحْقِيقًا ، بَعْدَ تَوْكِيدٍ وَتَحْقِيقٍ .
وَمَنْ نَازَعَ فِي مُوجِبِ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُنَازِعُ فِيهَا بَعْدَ تَوْكِيدِهَا بِمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ ، بَلْ إنَّمَا يُجَاءُ بِصِيغَةِ التَّوْكِيدِ ، قَطْعًا لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ وَأَشْبَاهِهِ.
وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ السَّلَف أَنَّهُ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً ، إلَّا فِي الْقُرْآنِ مَا يَرُدُّهَا ، وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ .
فَلَعَلَّ قَوْلَهُ: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ : جِيءَ بِهِ لِزَعْمِ زَاعِمٍ يَقُولُ: إنَّمَا سَجَدَ لَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ ، لَا كُلُّهُمْ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ رَدًّا لِمَقَالَةِ هَؤُلَاءِ.
وَمَنْ اخْتَلَجَ فِي سِرِّهِ وَجْهَ الْخُصُوصِ بَعْدَ هَذَا التَّحْقِيقِ وَالتَّوْكِيدِ فَلْيَعُزْ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ وَالْفَهْمِ فَإِنَّهُ لَا يَثِقُ بِشَيْءِ يُؤْخَذُ مِنْهُ يَا لَيْتَ شِعْرِي لَوْ كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ سَجَدُوا وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْبِرَنَا بِذَلِكَ فَأَيُّ كَلِمَةٍ أَتَمُّ وَأَعَمُّ أَمْ يَأْتِي قَوْلٌ يُقَالُ: أَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْبَيَانِ؟ .
وَرَابِعُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تَكَرَّرَتْ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ (وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ) ، وَكَذَلِكَ فِي مُحَاجَّةِ مُوسَى وَآدَمَ... ؛ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ وَإِذَا كَانَتْ الْقِصَّةُ قَدْ تَكَرَّرَتْ وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَيْسَ دَعْوَى الْخُصُوصِ فِيهَا مِنْ الْبُهْتَانِ.
وَأَمَّا إنْكَارُهُمْ لِسُجُودِ (الكروبيين) فَلَيْسَ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُمْ سَجَدُوا طَاعَةً وَعِبَادَةً لِرَبِّهِمْ .
وَزَادَ قَائِلُ ذَلِكَ : أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ ، إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْجُدُوا .
وَالْحِكَايَاتُ الْمُرْسَلَةُ : لَا تُقِيمُ حَقًّا ، وَلَا تَهْدِمُ بَاطِلًا !!
وَتَفْسِيرُهُمْ الْعَالِينَ بالكروبيين : قَوْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِلَا عِلْمٍ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ إمَامٍ مُتَّبَعٍ. وَلَا فِي اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ... انتهى ، من "مجموع الفتاوى" (4/361) .
والله أعلم .
الباب: القرآن وعلومه·تفسير القرآن
سؤال رقم ٢١٬٤٥٧دليل الألوان
أسئلة ذات صلة في تفسير القرآن
- الكتاب المنسوب إلى ابن عباس رضي الله عنهما في التفسير موضوع عليه#31789
- تفسير قوله تعالى: ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار )#31780
- معنى النجم الثاقب#31774
- الجمع بين قوله تعالى ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) وبين قوله تعالى ( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ )#31763
- هل جنس الرجال أفضل عند الله من النساء؟#31680
- ما المقصود بقوله تعالى ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي) ؟#31671
