القرآن وعلومه · أحكام المصاحف

إذا بليت أوراق المصحف فمحيت كتابتها بالماء فقد زالت حرمتها .

سؤال وجواب رقم ٥٬٤٢١

السؤال

أود أن أسأل عن : حكم تذويب المصحف القديم ، أو ما فيه آيات من القرآن ، أو الكتب ، في الماء ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

تقدم في إجابة السؤال رقم (114932) أنه إذا بليت أوراق المصحف وتمزقت وأصبحت غير صالحة للانتفاع بها فإن هناك عدة طرق لائقة للتخلص منها ، فمن ذلك الحرق والدفن والفرم .

وهكذا الحكم في الكتب الدينية المشتملة على القرآن والحديث .

وإذا حصل محو الكتابة بأي وسيلة لائقة : فقد ذهبت الحرمة ، سواء كان ذلك بالحرق أو الفرم أو كان بالغسل بالماء الطاهر .

فحرمة الكتابة إنما تكون عند وجودها ، أما مع محوها فإن الحرمة منتفية .

روى البخاري (4987) عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ : قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ . فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ : فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، ثم رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا ، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ .

قال الحافظ رحمه الله :

" روى أَبُو عُبَيْد وَابْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ " كَانَ مَرْوَان يُرْسِل إِلَى حَفْصَة - يَعْنِي حِين كَانَ أَمِير الْمَدِينَة مِنْ جِهَة مُعَاوِيَة - يَسْأَلهَا الصُّحُف الَّتِي كُتِبَ مِنْهَا الْقُرْآن فَتَأْبَى أَنْ تُعْطِيه , قَالَ سَالِم فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَة وَرَجَعْنَا مِنْ دَفْنهَا : أَرْسَلَ مَرْوَان بِالْعَزِيمَةِ إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر : لِيُرْسِلَنَّ إِلَيْهِ تِلْكَ الصُّحُف , فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَأَمَرَ بِهَا مَرْوَان فَشُقِّقَتْ ، وَقَالَ : إِنَّمَا فَعَلْت هَذَا لِأَنِّي خَشِيت إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَان أَنْ يَرْتَاب فِي شَأْن هَذِهِ الصُّحُف مُرْتَاب " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْدَة " فَمُزِّقَتْ " وأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب نَحْوه وَفِيهِ : " فَشَقَّقَهَا وَحَرَّقَهَا " .

وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ , لَكِنْ أَدْرَجَهَا أَيْضًا فِي حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت وَقَالَ فِيهِ " فَغَسَلَهَا غَسْلًا " وَيُجْمَع بِأَنَّهُ صَنَعَ بِالصُّحُفِ جَمِيع ذَلِكَ ، مِنْ تَشْقِيق ، ثُمَّ غَسْل ، ثُمَّ تَحْرِيق .

وَيحْتَمَل أَنْ يَكُون بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، فَيَكُون مَزَّقَهَا ، ثُمَّ غَسَلَهَا وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى باختصار .

وروى الطبري في "تفسيره" (1/ 57) عن أَنَس بْن مَالِكٍ، قَالَ: " كُنْتُ فِيمَنْ يُمْلَى عَلَيْهِمْ ... فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ مِنَ الْمُصْحَفِ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: " إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا، وَمَحَوْتُ مَا عِنْدِي، فَامْحُوا مَا عِنْدَكُمْ "

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وَالْمَحْوُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْغَسْلِ أَوِ التَّحْرِيقِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيقِ ، فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ ، وَيحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا ، بِحَسْبِ مَا رَأَى مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُمْ غَسَلُوهَا بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها . وَقَالَ ابن عَطِيَّةَ : " الرِّوَايَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَصَحُّ ، وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَأَمَّا الْآنَ فَالْغَسْلُ أَوْلَى لِمَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ " انتهى من "فتح الباري" (9/ 21)

وقال في "المحيط البرهاني" (5/ 321) - من كتب الحنفية - :

" إذا صار المصحف خَلَقاً ، بحيث لا يُقرأ منه : فإنه لا يكره دفنه، ومن أراد دفنه ينبغي أن يلفه بخرقة طاهرة، ويحفر لها حفرة ، ويُلْحَد ، وإن شاء غسله بالماء حتى يذهب ما به " انتهى مختصرا .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

عَنْ الْمُصْحَفِ الْعَتِيقِ إذَا تَمَزَّقَ مَا يُصْنَعُ بِهِ؟ وَمَنْ كَتَبَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ مَحَاهُ بِمَاءِ أَوْ ، حَرَقَهُ : فَهَلْ لَهُ حُرْمَةٌ أَمْ لَا؟

فَأَجَابَ:

" أَمَّا الْمُصْحَفُ الْعَتِيقُ ، وَاَلَّذِي تَخَرَّقَ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِ : فَإِنَّهُ يُدْفَنُ فِي مَكَانٍ يُصَانُ فِيهِ ، كَمَا أَنَّ كَرَامَةَ بَدَنِ الْمُؤْمِنِ دَفْنُهُ فِي مَوْضِعٍ يُصَانُ فِيهِ ، وَإِذَا كُتِبَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ فِي إنَاءٍ أَوْ لَوْحٍ ، وَمُحِيَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ ، وَشُرِبَ ذَلِكَ : فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ .

وَنَقَلُوا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ كَلِمَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ ، وَيَأْمُرُ بِأَنْ تُسْقَى لِمَنْ بِهِ دَاءٌ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِذَلِكَ بَرَكَةً. وَالْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَيْضًا مَاءٌ مُبَارَكٌ؛ صُبَّ مِنْهُ عَلَى جَابِرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ.

وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَى التُّرَابِ وَغَيْرِهِ ؛ فَمَا بَلَغَنِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَاءِ يُنْهَى عَنْ صَبِّهِ فِي التُّرَابِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ نَهْيًا؛ فَإِنَّ أَثَرَ الْكِتَابَةِ لَمْ يَبْقَ [= لم يعُد] بَعْدَ الْمَحْوِ كِتَابَةً ، وَلَا يَحْرُمْ عَلَى الْجُنُبِ مَسُّهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَتِهِ ، مَا دَامَ الْقُرْآنُ وَالذِّكْرُ مَكْتُوبَينِ ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ صِيغَ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ نُحَاسٌ عَلَى صُورَةِ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ ، أَوْ نُقِشَ حَجَرٌ عَلَى ذَلِكَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ ، ثُمَّ غُيِّرَتْ تِلْكَ الصِّيَاغَةُ ، وَتَغَيَّرَ الْحَجَرُ لَمْ يَجِبْ لِتِلْكَ الْمَادَّةِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا كَانَ لَهَا حِينَ الْكِتَابَةِ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (12/ 599-560)

والله أعلم .

الباب: القرآن وعلومه·أحكام المصاحف

سؤال رقم ٥٬٤٢١

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب أحكام المصاحف ‹