فقه الأسرة · المحارم

مَن المحرَم الذي يصلح للسفر ؟ ومَن يرفع الخلوة بين رجل وامرأة أجنبييْن ؟

سؤال وجواب رقم ١٦٬٧٣٩

السؤال

جزاكم الله عنا خير الجزاء وجعله في صحيفة حسناتكم .

أما سؤالي فهو : كم عمر المحرَم الذي يعتبر به في الشرع لأنني سمعت مرة أن الطفل إذا صار عمره أربع سنوات أصبح مانعاً للخلوة ؟ فهل يعتبر محرماً أيضا أم أن البالغ فقط يعتبر محرماً ؟ .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

ليُعلم أن السؤال اشتمل على مسألتين : من هو المحرم للمرأة في السفر ، ومن الذي يرفع الخلوة المحرَّمة بين رجل وامرأة أجنبية عنه ؛ إذ ليس شرطاً فيمن يمنع تلك الخلوة أن يكون محرَماً ، كما سيأتي بيانه ، إن شاء الله .

ثانياً:

المحرَم للمرأة هو : كل مَن تحرم عليه على التأبيد لقرابة أو رضاع أو مصاهرة كأبيها وابنها وأخيها .

وهل يشترط في المحرم أن يكون من البالغين ؟ اشترط ذلك الحنابلة . ورأى جمهور العلماء أن المحرم إذا كان مميزاً مراهقاً – قريباً من البلوغ – وتأمن المرأة على نفسها معه ، فإن ذلك كافٍ ، وجعلوا المراهق في حكم البالغ .

ففي " الموسوعة الفقهية " ( 36 / 340 ) : " ذهب الحنفية والشافعية وهو الظاهر من مذهب المالكية: إلى اعتبار المراهق كالبالغ الذي لا يجوز للمرأة السفر إلا برفقته إن كان من محارمها.

وخالف في ذلك الحنابلة فاشترطوا أن يكون المحرَم بالغاً عاقلاً ، قال ابن قدامة : قيل لأحمد فيكون الصبي محرَماً ؟ قال : لا ، حتى يحتلم ؛ لأنه لا يقوم بنفسه ؛ فكيف يخرج مع امرأة ، وذلك لأن المقصود بالمحرم حفظ المرأة ولا يحصل إلا من البالغ العاقل " انتهى .

والأحوط ما ذهب إليه الحنابلة من اشتراط بلوغ المحرَم ، وهو أقرب لتحقيق مقصد الشرع من وجود المحرم .

سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" .. الولد متى يكون محرماَ لأمه؟ هل هو بالبلوغ أو بالتمييز؟ " .

فأجاب : " المحرم بارك الله فيك! يكون مَحْرَماً إذا كان بالغاً عاقلاً، فمن لم يبلغ فليس بمحرم، ومن كان في عقله خلل فليس بمحرم " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح" (123/20/ترقيم الشاملة) ، وينظر جواب السؤال رقم (170300) .

ثالثاً:

وأما المسألة الثانية وهي من يرفع الخلوة المحرمة بين رجل وامرأة أجنبيين : فالجواب عليه : أن " المراد بالخلوة المنهي عنها : أن تكون المرأة مع الرجل في مكان يأمنان فيه من دخول ثالث " – كما في " الموسوعة الفقهية " ( 7 / 88 ) – وأما من يرفع تلك الخلوة المحرمة فهم أصناف :

1. الزوج .

قال النووي – رحمه الله - : " لو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز " انتهى من " شرح مسلم " ( 9 / 109 ) .

2. محرَم المرأة – السابق ذِكر أمرِه - وهو يرفع الخلوة بلا ريب ؛ لنص الحديث على ذلك ؛ ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لاَ يَخْلونَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلاَّ وَمَعَها ذُو مَحْرَم ) وإنه إذا صلح محرماً لها في السفر فأولى أن يرفع الخلوة المحرمة في الحضر .

3. وجود طفل مميز يُستحيى منه.

4. وجود امرأة مأمونة أو أكثر .

قال النووي – رحمه الله - : " وأمَّا إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما : فهو حرام باتفاق العلماء ، وكذا لو كان معهما من لا يُستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك ؛ فإن وجوده كالعدم " انتهى من " شرح النووي " ( 9 / 109 ) .

وقال – أيضاً - : " والمشهور : جواز خلوة رجل بنسوة لا محرَم له فيهن ؛ لعدم المفسدة غالباً ؛ لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً " انتهى من " المجموع " ( 7 / 87 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - : " إذا كان مع المرأة مثلُها انتفت الخَلوة " انتهى من " الشرح الممتع " ( 4 / 251 ) .

5. وجود رجل مأمون أو أكثر .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - : " أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر ، أو امرأة أخرى أو أكثر : فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة ؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر " انتهى من " فتاوى المرأة المسلمة " ( 2 / 556 ) .

وننبه إلى أن قولنا بأن وجود امرأة أو أكثر يرفع الخلوة لا يعني جواز سفر النساء مع ذلك الرجل الأجنبي ، فوجود امرأة أو أكثر يرفع الخلوة بهن ، لكنه ليس مبيحاً لسفرهن معه ، بل لا بدَّ لكل امرأة من محرم لها في السفر .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - : " أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر ، أو امرأة أخرى أو أكثر : فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة ؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر .

وهذا في غير السفر ، أما في السفر : فليس للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرَم " انتهى من " فتاوى المرأة المسلمة " ( 2 / 556 ) .

وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله - : " أما إذا كان معه امرأتان فأكثر : فلا بأس ؛ لأنه لا خلوة حينئذٍ بشرط أن يكون مأموناً ، وأن يكون في غير سفرٍ " انتهى من " فتاوى المرأة المسلمة " ( 2 / 555 ) .

ولينتبه إلى أن لفظ " المحرم " جاء في حديث واحد في جملتين ، كان في الأولى منهما المراد منه نفي الخلوة المحرَّمة ، ولذا قال بعض الفقهاء إنه يدخل بهذا اللفظ " محرَم الرجل " ؛ لأن المقصود بالحكم نفي الخلوة ، وهو يحصل بوجود مثل أم الرجل أو أخته ، وكان المراد بلفظ " المحرَم " في الجملة الثانية منه " محرَم المرأة " الذي يسافر بها ، والحديث المقصود هو ما رواه البخاري ( 1763 ) ومسلم ( 1341 ) عن ابن عباس قال : سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول ( لاَ يَخْلونَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلاَّ وَمَعَها ذُو مَحْرَم ، وَلاَ تُسَافِر المَرْأةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) .

قال النووي – رحمه الله - : " ( وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم ) يحتمل أن يريد محرماً لها ، ويحتمل أن يريد محرماً لها أو له ، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء ؛ فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها كابنها وأخيها وأمها وأختها ، أو يكون محرماً له كأخته وبنته وعمته وخالته ، فيجوز القعود معها في هذه الأحوال " انتهى من " شرح مسلم " ( 9 / 109 ) .

والخلاصة :

1. المحرم الذي يجب أن يكون مرافقاً للمرأة في سفرها هو زوجها ، أو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد من البالغين بالإجماع ، واختلف العلماء في المراهق الذي قارب من البلوغ ، ممن تحصل به كفاية وتأمن المرأة على نفسها برفقته فذهب الجمهور إلى كونه يصلح أن يكون محرماً وهو أرجح ، وخالفهم الحنابلة فاشترطوا فيه البلوغ ، وهو أحوط .

2. وترتفع الخلوة بين رجل وامرأة أجنبية عنه بوجود زوج ، أو محرم لها ، أو محرم له ، أو وجود رجل أو أكثر مأمونين ، أو وجود امرأة أو أكثر مأمونات ، أو وجود طفل مميز يستحيى منه ، وأما الصغير الذي لا يستحيى منه فوجوده كعدمه .

والله أعلم

الباب: فقه الأسرة·المحارم

سؤال رقم ١٦٬٧٣٩

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب المحارم ‹