فقه الأسرة · الخطبة

تريد الخطيب الأول ووالدها يريد غيره

سؤال وجواب رقم ٢٦٬٥٦٠

السؤال

أنا فتاة في سن الزواج ، وقد تقدم لي شاب من حوالي العام ، وقد وافقنا عليه ، ووافق والدي عليه أيضاً ، ولكن طلبنا منه تأخير الإجراءات من كتاب وزواج حتى أنهي دراستي الجامعية ، وهو ينتظرني حتى أنهيها ، ولكن الآن والدي يريد أن يزوجني بشاب غيره ، ليس أفضل منه لا ديناً و لا خلقاً ، بعد أن التزمنا بكلمة مع ذلك الشاب الذي ارتضينا دينه وخلقه ، وأنا صراحة لا أريد إلا الزواج بمن خطبني أولاً ووافقنا عليه ، فما عساي أن أفعل الآن ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الحمد لِلَّه

أولا :

من الأمور العظام التي تحدث بين الناس ، التساهل في أمر الخطبة على خطبة الغير .

فمع أنهم يسمعون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لاَ يَخطِبْ عَلَى خِطبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأذَنَ لَهُ ) رواه البخاري (5142) ومسلم (1412)

إلا أنك تجدهم يخالفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجترؤون على الخطبة وقد علموا بأمر الخطبة السابقة ، وكذلك تجد بعض الأولياء يعين على ذلك المنكر باستقبال الخطيب الثاني وبقبوله في كثير من الأحيان .

فأي توفيق يرجون ! وأي سعادة يؤملون ! وهم يريدون أن يبدؤوا زواجهم بمعصية عظيمة ، ظُلم فيها الخطيب الأول واعتُدي على حقه فيها .

وقد نص أهل العلم على حرمة خطبة المسلم على خطبة أخيه المسلم إذا حصل الإيجاب والقبول أو الميل نحو الخطيب الأول .

يقول النووي في "شرح مسلم" (9/197) :

" هذه الاحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه ، وأجمعوا على تحريمها اذا كان قد صُرح للخاطب بالإجابة ، ولم يأذن ولم يترك " انتهى .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" (32/7) :

عن رجل خطب على خطبته رجل آخر فهل يجوز ذلك ؟

فأجاب :

، ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه ) ولهذا اتفق الأئمة الأربعة في المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك .

وإنما تنازعوا في صحة نكاح الثاني على قولين :

أحدهما : أنه باطل كقول مالك وأحمد في إحدى الروايتين .

والآخر : أنه صحيح كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى ، بناء على أن المحرم هو ما تقدم على العقد وهو الخطبة ، ومن أبطله قال إن ذلك تحريم للعقد بطريق الأولى .

ولا نزاع بينهم في أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله ، والإصرار على المعصية مع العلم بها يقدح في دين الرجل وعدالته وولايته على المسلمين " انتهى .

ويقول الشيخ الفوزان حفظه الله "الملخص الفقهي" (2/262-263) :

" وبعض الناس لا يبالي بذلك ، فيقدم على خطبة المرأة وهو يعلم أنه مسبوق إلى خطبتها ، وأنها قد حصلت الإجابة ، فيعتدي على حق أخيه ، ويفسد ما تم من خطبته ، وهذا محرم شديد التحريم ، وحري بمن أقدم على خطبة امرأة وهو مسبوق إليها مع إثمه الشديد أن لا يوفق وأن يعاقب . فعلى المسلم أن يتنبه لذلك ، وأن يحترم حقوق إخوانه المسلمين ; فإن حق المسلم على أخيه المسلم عظيم ; لا يخطب على خطبته ، ولا يبيع على بيعه ، ولا يؤذيه بأي نوع من الأذى " انتهى .

ثانيا :

لا يجوز لوالدك قبول طلب الخطيب الثاني ولا إجابته ، فضلا عن حرمة إحضار خطيب آخر ، إلا إن فعل ذلك لعذر شرعي ، كأن يمرض الخطيب الأول بمرض خطير ، أو تظهر عليه علامات الفسق ونحو ذلك ، أما إذا لم يكن ثمة موجب شرعي لفسخ خطبة الأول ، فالواجب الالتزام بها .

يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله "مجموع الفتاوى" (10/43) :

" أما بالنسبة لأب المرأة فلا يحل له أن يقبل خطبة الرجل الأخير وهو قبل من الأول ، ما لم يكن هناك موجب شرعي " انتهى .

بل ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا ينبغي للقاضي أن يعقد نكاح الثاني أبدا ، لأنه قد اعتدى على حق غيره ، فيجب أن يرجع الحق إلى أهله .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية "مجموع الفتاوى" (29/285) في معرض الحديث عن حق الخاطب الأول :

" وَإِذَا قِيلَ : هُوَ ( يعني الخاطب الثاني ) غَيَّرَ قَلْبَ الْمَرْأَةِ عَلَيَّ !

قِيلَ : إنْ شِئْت عَاقَبْنَاهُ عَلَى هَذَا ؛ بِأَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ نِكَاحِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ ، فَيَكُونُ هَذَا قِصَاصًا لِظُلْمِهِ إيَّاكَ . وَإِنْ شِئْت عَفَوْت عَنْهُ فأنفذنا نِكَاحَهُ " انتهى .

ثالثا :

أما نصيحتي لك أختي الكريمة ، فألخصها بكلمة واحدة " الحوار " .

فبالحوار الهادئ الهادف يتمكن المرء من مواجهة كل مشكلة تعترض حياته ، وبه يتوصل إلى إقناع الآخرين بوجهة نظره ، أو على الأقل بتقبلها واحترامها .

ومحاورة الوالد تقتضي منك إظهار كل التقدير والاحترام ، كما تقتضي منك إظهار عقلانية راجحة ، وتفهم كامل لأمور المعاش وحياة الناس .

كثيرا ما يفقد الناس مكتسباتهم ، ويحرمون من الخير الذي كان قريبا منهم ، بسبب ضعف معاني قيم الحوار والمشورة والاحترام من حياتهم ، وهي مهارات تتطلب من المرء معالجة ومصابرة وتدريبا كي يرتقي بها إلى المستوى المطلوب .

ولا يمنعنَّك الحياء عن مصارحة والدك برغبتك ورأيك ، فذلك حق لك كفله لك الشرع المنزل من الله سبحانه وتعالى ، والمصارحة بين الأبناء والآباء من أركان السعادة الأسرية ، يتم بها التفاهم وتبادل التقدير ، وبغيرها توغر الصدور ، وتحمل النفوس ما لا تحتمل ، وقد يؤدي الكتمان إلى عواقب وخيمة .

واعلمي - أختي الكريمة - أن والدك حريص عليك ، رفيق بك ، يرجو لك الخير ، وإن كان يبدي حزما وصرامة ، إلا أنه – إن شاء الله – سيرجع إلى حكم الشرع ويرضى به .

فيجب أن تُذَكِّرِي والدك بحرمة الخطبة على خطبة الغير ، وحرمة إخلاف الوعد ، ومساعدة المعتدي على اعتدائه – إن كان الخاطب الثاني يعلم بوجود الخطبة الأولى - ، فإن لم تجدي في نفسك الكفاءة بتذكيره ، فاطلبي ممن يتمكن من ذلك ممن يحترمهم والدك ويقتنع بمشورتهم أن ينصحه ويذكره بوجوب الالتزام بشرع الله ، وأن الله سبحانه وتعالى لن يوفق زواجا فيه اعتداء على حق الخاطب الأول .

ولا تترددي في اختيارك ، إذ لا شك أن صاحب الدين والخلق هو الحقيق بالتزويج دون غيره ، إلا أن الرفق مفتاح كل خير ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( مَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحرَمِ الخَيرَ ) رواه مسلم (2592) ، ويقول : ( إِنَّ الرِّفقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ يُنزَعُ مِن شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) رواه مسلم (2594) ، ويتأكد الأمر بالرفق حين يتعلق الأمر بأحد الوالدين ، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بحسن صحابتهما ولو كانا على الشرك ، فما الظن حين يكونان مسلمين حريصين على أبنائهما ؟!

فعليك بهذه الوصية النبوية .

أسأل الله لك التوفيق والسعادة والخير في الدنيا والآخرة .

والله أعلم .

الباب: فقه الأسرة·الخطبة

سؤال رقم ٢٦٬٥٦٠

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الخطبة ‹