من أكثر الأحلام إثارة للقلق والانزعاج عند الاستيقاظ رؤية شخص أو جهة مجهولة تنتزع الطفل الرضيع من بين يدي الرائية بالقوة أو بالخداع، وهو حلم شائع جدًا خاصة لدى الأمهات الجدد أو النساء اللواتي يعشن مرحلة من القلق النفسي أو الإرهاق. وقبل الخوض في أي تفسير، من المهم جدًا طمأنة كل من رأت هذا الحلم إلى أنه في الغالب الساحق لا علاقة له بأي نذير حقيقي يخص سلامة طفلها في الواقع، وأن العقل أثناء النوم كثيرًا ما يضخّم المخاوف بصورة لا تتناسب أبدًا مع احتمال وقوعها فعليًا.
لم يرد في كتب التفسير القديمة المنسوبة لابن سيرين أو النابلسي نص صريح ومباشر يتناول تحديدًا مشهد انتزاع الطفل الرضيع من الرائية بهذه الصورة الدقيقة، وهذا يجعلنا هنا أمام قراءة معاصرة بحتة مبنية على فهم نفسي لطبيعة هذا النوع من الأحلام، وليست نقلًا عن أحد أئمة التفسير المتقدمين في هذا الباب، وهذا فارق مهم يجب أن يكون واضحًا حتى لا تُحمَّل الرؤية أكثر مما تحتمل من معانٍ مقلقة لا أساس لها.
فمن الناحية النفسية، تُصنَّف أحلام انتزاع الطفل أو فقدانه ضمن ما يُعرف بأحلام القلق الشائعة جدًا لدى الأمهات في مختلف الثقافات، وهي غالبًا ما تعكس مخاوف داخلية طبيعية تصاحب مسؤولية الأمومة، كالخوف من التقصير في رعاية الطفل، أو القلق من فقدان السيطرة على جانب من جوانب الحياة، أو حتى التوتر العام المصاحب لضغوط الحياة اليومية، وليست بأي حال من الأحوال إنذارًا بوقوع مكروه حقيقي للطفل. وكثير من الأمهات يرين هذا الحلم بصور متكررة على مدار فترات طويلة دون أن يقترن ذلك بأي حادثة واقعية على الإطلاق، مما يؤكد طبيعته الرمزية النفسية البحتة البعيدة عن أي دلالة تنبؤية.
ومن المفيد معرفته أن هذا النمط من الأحلام يزداد شيوعًا في فترات الإرهاق الجسدي أو النفسي، أو بعد التعرض لخبر مقلق ولو كان بعيدًا عن الطفل نفسه، إذ يميل العقل الباطن إلى ترجمة أي شعور عام بعدم الأمان إلى صورة مركزية يخشاها الإنسان بطبعه، وأكثر ما يخشاه أي والد أو والدة هو فقدان طفله، فتظهر هذه الصورة تحديدًا كتعبير رمزي عن قلق أعم وأشمل من مجرد الخوف على الطفل بذاته.
ومن المفيد أيضًا أن تدرك كل من رأت هذا الحلم أن العلاقة بين الأحلام المزعجة وبين الواقع ليست علاقة سببية مباشرة أبدًا، فرؤية سيئة عن طفلها لا تعني بأي شكل من الأشكال أن شيئًا سيئًا سيحدث له فعلًا، تمامًا كما أن رؤية جميلة لا تضمن بالضرورة وقوع خير حرفي، فالمنام في جوهره النفسي مرآة لما بداخل الإنسان من مشاعر أكثر منه نافذة على المستقبل، وهذا فهم أساسي يخفف كثيرًا من وطأة هذا النوع من الأحلام على من يراها.
بالنسبة للفتاة العزباء التي ترى هذا الحلم، فقد يعكس قلقها من فقدان فرصة تهمها في حياتها، كعمل أو علاقة أو مشروع كانت تعلّق عليه آمالًا كبيرة، أكثر من ارتباطه بأي معنى حرفي يخص الأطفال أو الأمومة تحديدًا.
أما المرأة المتزوجة، وخاصة الأم، فيغلب أن يعكس هذا الحلم قلقها الطبيعي كأم تجاه سلامة أبنائها ومستقبلهم، أو خوفها من تدخل طرف ما في تربيتهم أو قراراتها بشأنهم، وهو قلق مشروع نفسيًا لكنه لا يرقى إلى مستوى النذير أو التوقع الحقيقي لأي أذى فعلي.
وفي حالة الحامل تحديدًا، فإن هذا الحلم من أكثر الأحلام شيوعًا على الإطلاق في فترة الحمل، لأنه يعكس القلق الفطري الذي تعيشه كل امرأة حامل تجاه سلامة جنينها وقدرتها على حمايته بعد الولادة، وهو جزء طبيعي جدًا من التقلبات النفسية المصاحبة للحمل، ولا يستدعي أي خوف إضافي أو قلق زائد عما تشعر به بشكل طبيعي.
أما الرجل الذي يرى هذا الحلم، فقد يعكس خوفه من فقدان مشروع أو مسؤولية عمل عليها طويلًا، أو قلقه من تأثير خارجي يهدد استقرار أسرته أو قراراته الخاصة بها ومستقبل أبنائه.
وبالنظر إلى شيوع هذا الحلم عالميًا لدى الأمهات من ثقافات وخلفيات مختلفة تمامًا، فإن ذلك بحد ذاته دليل قوي على أن المسألة أقرب إلى نمط نفسي إنساني عام مرتبط بطبيعة الأمومة ذاتها، أكثر من كونها رسالة خاصة أو نذيرًا موجهًا لشخص بعينه، وهذا ما يجعل الاطمئنان إليها أسهل حين تُفهم في سياقها الصحيح بعيدًا عن التهويل.
ومن المهم جدًا التأكيد أن تفاصيل مثل هوية من انتزع الطفل، وشعور الرائية أثناء الحلم، ومدى واقعية المشهد، لا تغيّر من الحقيقة الأساسية وهي أن هذا النوع من الأحلام يصنَّف علميًا ونفسيًا ضمن انعكاسات القلق الطبيعي، ولا ينبغي أبدًا اعتباره بشارة سوء أو توقعًا لحدوث مكروه فعلي، فالخوف الذي يعيشه العقل في المنام غالبًا أكبر بكثير من أي احتمال واقعي يمكن أن يحدث بالفعل.
وختامًا، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني وليس علمًا يقينيًا، فلا تُبنى عليه قرارات مصيرية أبدًا، والأولى دائمًا هو الدعاء وحسن الظن بالله، والاطمئنان إلى أن القلق الذي يصاحب هذا الحلم أمر إنساني طبيعي جدًا لا يستدعي الفزع أو المبالغة في التأويل.
