يسمع كثير من النائمين في منامهم صرخة مولود حديث الولادة تنطلق فجأة معلنة قدومه إلى الحياة، فيستيقظون وهذا الصوت لا يزال عالقًا في آذانهم، وكأنهم عاشوا لحظة الميلاد بكل ما فيها من ترقب وانفعال، وقد يظل هذا الشعور مصاحبًا لهم بقية يومهم دون أن يعرفوا له تفسيرًا واضحًا.
ولا بد من التمييز هنا بين بابين قد يخلط الناس بينهما: الباب الأول هو "بكاء الطفل" المستمر أو المتكرر في المنام، وهذا ما تناوله ابن سيرين في كتب التراث الشعبي لتفسير الأحلام، إذ نُسب إليه أن بكاء الطفل يدل غالبًا على همّ وحزن يصيب الرائي أو مشكلات يقع فيها. أما الباب الثاني، وهو موضوع هذا المقال تحديدًا، فهو "الصرخة الأولى" التي يطلقها المولود لحظة خروجه إلى الحياة، وهذا مشهد مختلف في طبيعته عن البكاء المتكرر أو المستمر، إذ إنه في الواقع علامة طبيعية على سلامة الطفل وبدء تنفسه، ولم يرد له تناول مستقل موثق عند القدامى بمعزل عن الحديث العام عن بكاء الأطفال.
ولذلك يميل بعض المعبّرين المعاصرين إلى قراءة مختلفة لهذا المشهد بعينه، فيرون أن سماع الصرخة الأولى للمولود في المنام أقرب إلى رمز الإعلان عن بداية جديدة أو مرحلة تتغير فيها أحوال الرائي، تمامًا كما تُعلن هذه الصرخة عن دخول كائن جديد إلى الحياة، فتُقرأ أحيانًا في اتجاه الاستبشار ببداية لم تكن موجودة من قبل، لا في اتجاه الهم والحزن الذي يُنسب إلى بكاء الطفل المستمر. وهذا الفارق بين المشهدين مهم لفهم سياق كل رؤيا على حدة، وينبغي عدم الخلط بينهما رغم تشابه الصورة الظاهرة في أذهان كثير من الناس.
ومما يُراعى في التفريق أيضًا: طبيعة الصوت وسياقه، فصرخة واحدة قوية تعقبها سكينة وفرح من حوله تختلف عن بكاء متواصل مصحوب بجو مضطرب في الحلم، إذ إن الحالة الثانية أقرب إلى الدلالة السلبية المنسوبة لابن سيرين، بينما الأولى أقرب إلى القراءة المعاصرة الإيجابية. كما يُنصح بملاحظة استجابة من حول الرائي لهذه الصرخة في الحلم، فابتسامهم وفرحهم بها يعزز المعنى الإيجابي، بينما انزعاجهم منها أو محاولتهم إسكاتها بقلق قد يميل بالتأويل نحو المعنى الأقرب للهم.
فبالنسبة للفتاة العزباء، قد تعكس هذه الرؤيا بداية مرحلة جديدة في حياتها، كخطوبة أو تغيير كبير تنتظره، وترتبط الصرخة في هذه الحالة بإعلان قدوم أمر جديد أكثر من ارتباطها بالزواج أو الإنجاب مباشرة، وقد يقرأ بعض المعبّرين وضوح الصرخة وقوتها في حلمها كدليل على قرب هذا التغيير أكثر من كونه بعيد المنال.
أما المرأة المتزوجة، فقد تدل هذه الرؤيا على قرب حدوث تحول إيجابي في حياتها الأسرية، أو انفراج أمر كانت تنتظره منذ فترة، خصوصًا إذا كانت الصرخة في الحلم مصحوبة بشعور بالارتياح لا بالفزع، وقد تكون أيضًا تعبيرًا عن شوقها لتجربة الأمومة من جديد إن كانت تخطط لذلك.
وللحامل تحديدًا، فإن سماعها صرخة مولودها الأول في المنام قد يُقرأ على أنها انعكاس نفسي طبيعي لترقبها لحظة الولادة، وقد يذهب بعض المعبّرين إلى اعتبارها بشارة بسلامة الطفل وسهولة الولادة، دون أن يكون في ذلك جزم قاطع بحال حملها الفعلي، فكثيرًا ما تكون هذه الأحلام صدى لمخاوف طبيعية تصاحب كل امرأة حامل قبيل الولادة.
وللرجل، فقد تدل هذه الرؤيا على بداية مشروع أو مسؤولية جديدة يشعر تجاهها بمزيج من الترقب والحماس، تمامًا كما يستقبل الأب مولوده الجديد بمشاعر متداخلة من الفرح والمسؤولية، وقد يربط بعض المعبّرين قوة الصرخة في الحلم بقوة بداية ذلك المشروع ووضوح معالمه في ذهنه.
ومن المهم عند استحضار مثل هذه الرؤى ملاحظة الشعور المصاحب للصرخة: هل كان فرحًا وارتياحًا أم قلقًا وفزعًا، فهذا الشعور هو الأقرب إلى تحديد الاتجاه العام للتأويل أكثر من الصوت نفسه، وكذلك ملاحظة ما إذا كانت الصرخة الوحيدة في الحلم أم تكررت أكثر من مرة، فتكرارها قد يقرّب المعنى من دلالة البكاء المستمر لا من دلالة الميلاد الجديد. كما يُنظر إلى ما تلا الصرخة مباشرة في الحلم: هل عمّ الهدوء والفرح أم استمر الاضطراب، فذلك يرجّح أحد المعنيين المذكورين على الآخر بصورة أوضح.
وفي كل الأحوال، يبقى هذا اجتهاد بشري ظني، ليس علمًا يقينيًا، لا تُبنى عليه قرارات مصيرية، الأولى الدعاء وحسن الظن بالله.
