من أغرب رؤى الأطفال التي تلفت انتباه الرائي وتبقى عالقة في ذهنه طويلًا بعد الاستيقاظ، رؤية مولود صغير لم يتجاوز أشهره الأولى وهو يتكلم بوضوح، وكأنه يوجّه كلامه للرائي مباشرة. وخلافًا لكثير من رؤى الأطفال التي تُفسَّر بعمومية، فإن هذا المشهد تحديدًا يحظى بحضور لافت في كتب التفسير القديمة، لأن نطق من لا ينطق عادة يُعد من الرؤى ذات الدلالة القوية عند أغلب المفسرين.
ذكر من نقل عن ابن سيرين أن رؤية الطفل الرضيع يتكلم في المنام تُعد بشرى في كثير من الأحيان، وأنها تشير إلى قدوم الخير أو تحقيق أمنية كانت بعيدة المنال، وقد تكون أيضًا تنبيهًا أو رسالة موجهة إلى الرائي يستوجب منه التوقف والتأمل فيما يجول بخاطره. وأكد هذا المصدر أن حديث الرضيع في المنام يكون غالبًا بشارة خير بفرج من الله وزوال الهم الذي يثقل كاهل الرائي. أما الشيخ عبد الغني النابلسي فأشار إلى أن رؤية الرضيع عمومًا قد تدل على المسؤولية والهموم، لأن تربية الأطفال لا تكون إلا بالهمّ والجهد، وأن كلام الرضيع في الحلم لغير المتزوجة قد يدل على خبر يصلها سريعًا.
ويلحظ المتأمل في هذين النقلين أن التفسير ليس أحاديًا، بل يتراوح بين البشرى المباشرة والتنبيه الذي يستدعي الانتباه، وهذا يعني أن مضمون كلام المولود في الحلم -إن تذكره الرائي- له دور حاسم في تحديد المعنى الأقرب، فإن كان الكلام مفرحًا أو مطمئنًا فالراجح أنه بشارة، وإن كان الكلام محيّرًا أو يحمل نبرة تحذير فالأقرب أنه رسالة يستدعي معها الرائي مراجعة أمر يخصه بروية وتعقل.
ويلاحظ أيضًا أن كثيرًا من المفسرين يضعون رؤية الرضيع المتكلم ضمن باب أوسع يسمونه رؤية خرق العادة، أي أن كل مشهد يخالف المألوف في الطبيعة -كنطق من لا ينطق أو مشي من لا يمشي- يحمل في الغالب دلالة قوية تستحق التوقف عندها، بخلاف المشاهد المألوفة التي قد تمر دون أثر يُذكر. وهذا يفسر لماذا حظيت رؤية المولود المتكلم باهتمام أكبر من غيرها من رؤى الأطفال العادية في كتب هذا الفن.
للفتاة غير المتزوجة، فإن رؤية مولود يتكلم قد تدل بحسب ما ورد على خبر سريع يصلها، وقد يكون هذا الخبر متعلقًا بأمر تنتظره منذ مدة، سواء في حياتها الدراسية أو العملية أو العاطفية، وتزداد دلالة البشارة إن كان كلام الطفل في الحلم يحمل معنى طيبًا واضحًا بالنسبة لها.
أما المرأة المتزوجة، فقد يرتبط كلام المولود في منامها بمسألة تخص أسرتها تحتاج منها اتخاذ قرار أو الانتباه إلى أمر كانت تغفل عنه، وقد يكون أيضًا إشارة إلى خبر مفرح يتعلق بأحد أبنائها أو بحياتها الزوجية بشكل عام، خصوصًا إن استيقظت وهي تشعر بارتياح تجاه ما سمعته من الطفل في حلمها.
وللحامل، فإن رؤية المولود يتكلم قد تحمل طابعًا خاصًا، إذ قد تعكس ترقبها لمعرفة تفاصيل عن طفلها القادم أو رغبتها الفطرية في التواصل معه قبل قدومه إلى الدنيا، وهي مشاعر طبيعية جدًا لا ينبغي أن تحمّلها أكثر مما تحتمل من قلق أو تفسيرات مبالغ فيها بعيدة عن حقيقتها النفسية البسيطة.
وإذا رأى الرجل مولودًا يتكلم في منامه، فقد تدل الرؤيا على أمر مهم يستوجب انتباهه في حياته العملية أو الأسرية، وقد تكون تنبيهًا لطيفًا إلى ضرورة مراجعة قرار يفكر فيه، أو بشارة بأن مسعى طال انتظاره سيتحقق قريبًا، خاصة إن كان كلام الطفل في الحلم مرتبطًا بأمر يشغل تفكير الرائي في يقظته.
ومن المهم عند تذكر هذه الرؤيا الانتباه إلى مضمون الكلام إن أمكن تذكره، وطبقة صوت المولود، وهل شعر الرائي بالدهشة أم بالطمأنينة أثناء سماعه، فكل هذه العناصر تضيء زوايا التفسير وتجعله أقرب إلى واقع الرائي الشخصي بدل الاكتفاء بمعنى عام مجرد. ومن المفيد أيضًا أن يسأل الرائي نفسه عمّا كان يشغله في الأيام السابقة للرؤيا، إذ كثيرًا ما يكون كلام المولود في الحلم صدى لهاجس أو سؤال كان يدور في ذهنه دون أن يجد له جوابًا واضحًا في يقظته.
وفي كل الأحوال، يبقى هذا كله اجتهادًا بشريًا ظنيًا، ليس علمًا يقينيًا، لا تُبنى عليه قرارات مصيرية أو طبية، والأولى الدعاء وحسن الظن بالله، فما يراه النائم مهما بدا غريبًا لا يعدو كونه رمزًا يحتمل أكثر من وجه، والعلم اليقين عند الله وحده.
