من الأحلام التي تتكرر لدى النساء رؤية أنفسهن في فترة النفاس، أي تلك المرحلة التي تعقب الولادة مباشرة بما فيها من راحة قسرية ونزيف وتعب جسدي، وأحيانًا ترى الحالمة نفسها تمر بهذه المرحلة دون أن تتذكر الولادة نفسها في الحلم، وكأنها تجد نفسها فجأة في حال النفاس. هذا التفصيل يجعل الحلم مثيرًا للتساؤل أكثر من كونه مقلقًا بذاته.
في كتب تعبير الرؤى التقليدية، لا يكاد يُفرد النفاس بابًا مستقلًا واضح المعالم كما أُفردت الولادة والحمل، ولذلك فإن أغلب ما يُتداول اليوم حول تفسيره هو قراءات حديثة مبنية على القياس على دلالة الولادة بعامة، لا نصوصًا موثقة منسوبة بدقة إلى ابن سيرين أو النابلسي بخصوص "النفاس" بلفظه. وما ورد في الولادة عمومًا هو أنها ترمز إلى تخطي المصاعب والشدائد وتفريج الكروب، فالحمل في هذا السياق يشير إلى الضيق والتعسر، بينما الولادة تدل على التيسير بعد العسر والفرج الكبير بإذن الله.
وعلى هذا الأساس، يُقرأ حلم النفاس في الغالب على أنه امتداد رمزي لمعنى الولادة ذاته: مرحلة انتقال من حال الضيق إلى حال الراحة، لكنها راحة مصحوبة بتعب مؤقت وحاجة إلى الاحتواء والرعاية. فمن رأت نفسها في نفاسها وهي تشعر بالسكينة والطمأنينة، فذلك أقرب إلى بشارة بانتهاء مرحلة شاقة من حياتها وبداية استقرار جديد، ولو كان مصحوبًا في أوله ببعض الإرهاق. أما من رأت نفاسًا مؤلمًا أو مصحوبًا بنزيف شديد يثير قلقها في الحلم، فقد يعكس ذلك شعورًا حقيقيًا بالإنهاك النفسي والضغط الذي يحيط بها من جوانب متعددة في حياتها اليقظة.
وللفتاة العزباء التي ترى نفسها في فترة نفاس رغم أنها لم تتزوج بعد، فالأقرب أن هذا الحلم لا علاقة له بزواج أو حمل فعلي، بل يعكس مرورها بمرحلة تعب أو إرهاق تلت جهدًا كبيرًا بذلته، كنجاحها في دراسة شاقة أو خروجها من أزمة نفسية، فتراها روحها في صورة نفاس رمزي لأنها تشعر بأنها "ولدت" إنجازًا أو تجاوزت مرحلة صعبة وتحتاج الآن إلى وقت للتعافي.
أما المرأة المتزوجة، فرؤيتها لنفسها في النفاس قد تشير إلى قرب انفراجة في أمر كانت تعاني منه، كخلاف زوجي طال أمده أو ضائقة مادية، وكأن الحلم يبشرها بأن فترة المشقة تشارف على الانتهاء وأن ما بعدها سيكون أهون، وإن كان يتطلب صبرًا إضافيًا في مرحلة "النقاهة" التي تعقب الفرج.
وإذا كانت الرائية حاملًا بالفعل ورأت نفسها في مرحلة النفاس قبل أوان ولادتها، فقد يكون ذلك تعبيرًا عن ترقبها الشديد للحظة الولادة وتفكيرها المستمر فيما بعدها، وليس بالضرورة إشارة لمشكلة صحية، إذ إن عقل الحامل كثيرًا ما "يتقدم" في الزمن أثناء النوم ليعيش مشاهد لم تقع بعد نتيجة القلق الطبيعي المصاحب لأواخر الحمل.
وقد يرى الرجل زوجته أو قريبته في حال نفاس في منامه، وهذا غالبًا ما يعكس شعوره بمسؤولية الرعاية والاحتواء تجاهها، أو انشغال باله بصحتها وراحتها، أكثر مما يحمل دلالة مستقلة تخصه هو.
ومن التفاصيل المهمة في قراءة هذا الحلم: هل شعرت الحالمة بالطمأنينة أم بالخوف أثناء النفاس؟ هل كان من حولها في الحلم داعمين ومعتنين بها أم كانت وحيدة؟ وهل انتهى المشهد بشعور بالتعافي أم ظل مفتوحًا على القلق؟ فهذه التفاصيل تحدد ما إذا كان الحلم أقرب إلى بشارة بالفرج أو إلى تنفيس عن إرهاق نفسي قائم.
ومما يُستحسن التنبه إليه أن كلمة "النفاس" في حد ذاتها تحمل في اللغة والشرع معنى مرحلة محددة ومؤقتة بطبيعتها، تنتهي حتمًا مهما طال أمدها، وهذا المعنى وحده يحمل رسالة مطمئنة حين يظهر في المنام: فأي حال من التعب أو الضيق يعيشه الرائي في يقظته هو أيضًا مرحلة مؤقتة لا حال دائمة، وسينقضي كما ينقضي النفاس بعد أيام معدودة ليعقبه العافية والنشاط من جديد. ولذلك فمن الأفضل ألا يُنظر إلى تفاصيل هذا الحلم بمعزل عن سياقه الكامل، بل يُستحسن أن يتأمل الرائي حاله العامة في تلك الفترة، وأن يستحضر أن كل عسر يعقبه يسر بإذن الله، فتلك قاعدة أشمل من أي تفسير جزئي لحلم بعينه.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قائم على تراث تعبير الرؤى وليس علمًا يقينيًا ولا وحيًا، ولا يصح أن تُبنى عليه قرارات مصيرية أو طبية، والأَولى بالرائي أن يستعين بالدعاء وحسن الظن بالله سبحانه، وأن يستشير أهل الاختصاص فيما يخص صحته وحياته الواقعية.
