من الرؤى المقلقة التي يشيع رؤيتها ويكثر السؤال عنها مطاردة قطة للرائي في منامه، بحيث يشعر وكأنها تجري خلفه أو تلاحقه في مكان ما، وهي رؤية تترك أثرًا نفسيًا واضحًا من التوتر عند الاستيقاظ، لكن ينبغي التذكير دومًا أن هذا الشعور بالقلق لا يعني بالضرورة صحة أي تفسير مخيف، فالتأويل كله اجتهاد ظني لا يقين فيه.
القطة في الرؤى ترمز في كثير من الأحيان إلى شخص يحمل ازدواجية في التعامل، أو إلى امرأة، أو إلى مصدر إزعاج متكرر، وقد تعبر أحيانًا عن جانب من حياة الرائي يشعر تجاهه بالضيق أو الملاحقة. أما مطاردتها للرائي تحديدًا فتضيف بعدًا من الشعور بالتهديد أو الهروب من مواجهة أمر ما، وقد يرمز ذلك إلى شخص يحاول فرض رأيه أو إلحاق أذى معنوي بالرائي، أو إلى مشكلة يحاول الرائي الهروب منها دون جدوى.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن مطاردة الحيوان للرائي في الحلم قد تدل على خصم يسعى للنيل منه أو أمر يلاحقه في يقظته، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مطاردة القطة تحديدًا قد ترمز إلى شخص قريب يتودد ظاهريًا بينما يسعى في الباطن لإلحاق الضرر. ومع ذلك فإن هذه الأقوال المنسوبة تبقى محل اجتهاد، وقد يرى بعض من تناول هذا الباب أن المطاردة قد تعبر فقط عن قلق داخلي لدى الرائي لا عن تهديد خارجي حقيقي.
ويتفاوت المعنى بحسب نتيجة المطاردة في الحلم؛ فإن كان الرائي ينجو منها أو يستيقظ قبل أن تدركه القطة، فقد يشير ذلك إلى تجاوزه لمشكلة أو تخلصه من ضغط نفسي، أما إن أدركته القطة وعضته أو خدشته فهذا يحمل معنى أشد يستدعي تأملًا في طبيعة الأذى الذي تعرض له في الحلم. كذلك فإن شعور الرائي بالخوف الشديد أثناء المطاردة أمر متوقع، لكنه لا يغير من كون التفسير ظنيًا لا قطعيًا.
بالنسبة للفتاة غير المتزوجة، قد تعكس مطاردة القطة لها شعورًا بالضغط من محيطها الاجتماعي أو من شخص يحاول التأثير عليها بشكل متكرر. أما المرأة المتزوجة فقد ترتبط الرؤية بشعورها بالملاحقة من مسؤوليات منزلية متراكمة أو من موقف عائلي متوتر. وبالنسبة للرجل، فقد تشير إلى شعوره بالضغط من منافس أو مشكلة عملية يحاول الفرار منها. أما الحامل فقد تعكس الرؤية توترها الطبيعي المصاحب لمرحلة الحمل، ولا ينبغي أن تُحمّل أكثر مما تحتمل من قلق.
تسهم تفاصيل المطاردة في توضيح المعنى أكثر، فسرعة القطة وحجمها، والمكان الذي جرت فيه المطاردة كبيت مألوف أو طريق مجهول، وما إذا كانت القطة وحيدة أو برفقة أخريات، كل ذلك يرسم صورة أدق لما قد تعبر عنه الرؤيا، فالمطاردة في مكان مألوف تحمل طابعًا مختلفًا عن المطاردة في مكان غريب ومقلق.
وفي كل الأحوال يبقى الأصل أن هذا اجتهاد بشري ظني لا يجوز الجزم به، فمن استيقظ من رؤيا كهذه مذعورًا فليتعوذ بالله من شر ما رأى، وليصرف عن قلبه الخوف، وليحسن الظن بربه، فما غاب عنه من أمر الغد والمستقبل لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له.
ويفرّق بعض المهتمين بهذا الباب بين المطاردة التي تنتهي بالنجاة السريعة، وتلك التي تطول وتتكرر مشاهدها داخل الحلم نفسه، فطول المطاردة وتكرارها قد يعكس استمرار الضغط الذي يشعر به الرائي في واقعه، بخلاف المطاردة القصيرة التي قد لا تحمل أكثر من توتر عابر سرعان ما يزول.
كما يُنصح الرائي بمراجعة أقرب المواقف التي شعر فيها بالملاحقة أو الضغط في يقظته، سواء من شخص أو التزام أو موعد نهائي يقترب، فغالبًا ما تكون هذه المطاردة في المنام صدى مباشرًا لتوتر واقعي يعيشه دون أن يتضح له بصورة كاملة أثناء النهار.
ومن المفيد دائمًا عند الاستيقاظ من رؤيا مقلقة كهذه أن يهدئ الرائي من روعه بالذكر، وأن يتذكر أن كثيرًا من مشاعر الخوف في الأحلام لا تعدو كونها معالجة داخلية للعقل لضغوط اليقظة، لا نذيرًا بأمر سيقع فعلًا.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن الشعور بالملاحقة في الأحلام غالبًا ما يعكس رغبة داخلية في الهروب من مواجهة مباشرة قد تكون أجدى من الاستمرار في تجنبها، فمواجهة المخاوف بشجاعة متزنة في الواقع كثيرًا ما تكون أخف وطأة من استمرار الهروب منها في تصورنا الذهني. وقد يكون تكرار مثل هذه الرؤيا مؤشرًا على حاجة الرائي الفعلية لمواجهة ذلك الأمر بدلًا من الاستمرار في تأجيله.
