يرى بعض الرائين في منامهم قطتين تتعاركان بشراسة، يتطاير منهما الشعر والصراخ، دون أن يكون الرائي طرفاً مباشراً في هذا الصراع بل مجرد مشاهد له يقف على مسافة يراقب دون أن يتدخل، وهذا المشهد يحمل في تفسيره أبعاداً مختلفة عن تلك التي تحملها مواجهة الرائي المباشرة مع قطة واحدة. ومن الضروري التذكير أن هذا التأويل رمزي ظني، ولا يعني بالضرورة وقوع نزاع فعلي في محيط الرائي، فقد يكون مجرد انعكاس لمشاعر داخلية متضاربة يعيشها هو نفسه.
وتعارك القطتين في عالم الرموز يحمل غالباً معنى الخصومة بين طرفين في محيط الرائي، سواء كانا شخصين يعرفهما أو فكرتين متضاربتين يعيشهما في داخله، فالقطط كما أسلفنا قد ترمز إلى النساء أو الأشخاص المنافقين أو حتى مصالح متعارضة، وحين تتصارع قطتان في المنام فإن ذلك يعكس في الغالب توتراً أو تنافساً قائماً بين طرفين يشغلان بال الرائي، دون أن يكون هو بالضرورة سبباً في ذلك الصراع أو طرفاً فيه.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن رؤية تعارك حيوانين في المنام قد تدل على خصومة بين شخصين من معارف الرائي، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مشاهدة الصراع دون المشاركة فيه قد تشير إلى أن الرائي بعيد عن هذا الخلاف ولا شأن له به مباشرة، وإن كان قد يتأثر بنتيجته بشكل غير مباشر، وربما يجد نفسه مضطراً في النهاية لاختيار موقف من أحد الطرفين رغم رغبته في البقاء على الحياد. وهذه أقوال اجتهادية قديمة تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى في إطار الظن لا اليقين.
ويتوقف المعنى على نتيجة الصراع في الحلم؛ فانتصار إحدى القطتين بوضوح قد يشير إلى ترجح كفة أحد طرفي الخلاف الواقعي، بينما استمرار الصراع دون حسم قد يعكس استمرار حالة من التوتر أو عدم الوضوح في أمر يخص الرائي، وهو ما قد يدفعه لا شعورياً إلى تأجيل حسم موقفه في الواقع أيضاً حتى تتضح الصورة أكثر. ولون كل قطة قد يضيف دلالة إضافية، فقد يربط بعض المفسرين لون القطة المنتصرة بالطرف الذي سيغلب في النهاية، وإن كان هذا الربط اجتهادياً بحتاً لا ينبغي التعويل عليه كثيراً، فالأولى دائماً أن يُنظر إلى مجمل مشاعر الرائي تجاه كلا الطرفين المتنازعين بدل التعلق بتفصيل لوني عابر قد لا يحمل وزناً حقيقياً في الميزان التفسيري.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يعكس هذا المشهد تنافساً بين صديقتين تشعر أنها في وسطه دون رغبة منها، أو حيرتها بين رأيين متعارضين تسمعهما من محيطها بخصوص قرار تنوي اتخاذه. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى خلاف بين قريبتين أو جارتين ينعكس أثره على أجواء بيتها، وقد تجد نفسها مضطرة لمجاملة الطرفين رغم عدم رغبتها في ذلك. أما الرجل فقد يربط الحلم بتنافس بين زميلين في عمله يثير توتراً عاماً في جو المؤسسة، أو بخلاف بين شريكين له في مشروع واحد. وللحامل، قد يعكس هذا المشهد إرهاقاً نفسياً من محاولة إرضاء طرفين متعارضين في محيطها الأسري خلال فترة حملها الحساسة، وهو عبء إضافي يُستحسن أن تخفف منه قدر استطاعتها حفاظاً على راحتها.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه أيضاً شدة الصراع وصوته، فصراع صامت أو خفيف يحمل دلالة أهدأ من صراع صاخب مليء بالصراخ والخدوش العميقة. ومكان وقوع الصراع -داخل بيت الرائي أو خارجه- يحدد أيضاً مدى قرب هذا الخلاف من حياته الخاصة أو بعده عنها، وهو تفصيل جدير بالتأمل قبل ترجيح معنى نهائي للرؤيا.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن بعض الرائين يشعرون برغبة في التدخل لفض الاشتباك بين القطتين لكنهم يعجزون عن ذلك في الحلم، وهذا الشعور بالعجز قد يعكس إحساساً مشابهاً في يقظتهم تجاه خلاف يتمنون حله لكنهم يشعرون أنه خارج عن إرادتهم أو قدرتهم على التأثير فيه. وفي المقابل، فإن نجاح الرائي في فصل القطتين أو إبعادهما عن بعضهما قد يشير إلى قدرته الفعلية على لعب دور الوسيط أو المصلح بين طرفين متخاصمين في واقعه، إن أراد ذلك واختار أن يتدخل بحكمة وهدوء.
وفي الختام، يبقى الثابت أن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يصح الجزم به، وأنه لا ينبغي أن يدفع الرائي إلى التدخل في خلاف لا يعنيه بناء على رؤيا عابرة. والأولى أن يتحلى بالحياد وحسن الظن، وأن يتوجه إلى الله بالدعاء أن يجنبه شرور الخصومات، فهو سبحانه وحده العالم بما تؤول إليه أمور الناس وخلافاتهم، وما على الرائي إلا أن يسعى للإصلاح بقدر طاقته ويكل بقية الأمر إلى الله.
