يحمل مشهد قطة تتصارع مع كلب في المنام طابعاً خاصاً يختلف عن صراع قطتين معاً، ذلك أن الكلب والقطة يرمزان في تراث تفسير الأحلام إلى طبيعتين متباينتين تماماً، فيرى الرائي أحدهما يهاجم الآخر بشراسة وسط صراخ ونباح متصاعد، ويستيقظ متسائلاً عن دلالة هذا التصادم بين رمزين مختلفين في طبيعتهما. ومن الضروري التذكير بداية بأن هذا التأويل رمزي محض، وأن نتيجة أي صراع حيواني في المنام لا تحدد مصير أمر واقعي بشكل قاطع أو مؤكد.
فالقطة كما أسلفنا ترمز إلى معانٍ متعددة تشمل النفاق أو المرأة أو الاستقرار المنزلي أو الإزعاج المتكرر، بينما يرمز الكلب في كثير من التفاسير إلى العدو الجهور الذي يواجه بصراحة، أو إلى الحارس الأمين، أو إلى شخص فظ في تعامله وإن كان صادقاً في نيته، وقد يرمز في سياقات أخرى إلى الوفاء الشديد حتى مع الخشونة الظاهرة في التعامل. وحين يتقاتل الرمزان في المنام، فإن ذلك قد يعكس صراعاً داخل الرائي نفسه بين صفتين متناقضتين يحملهما، كالصراحة مقابل المداهنة، أو المواجهة المباشرة مقابل المراوغة الهادئة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن اجتماع رمزين متضادين في صراع واحد بالمنام قد يشير إلى تنازع بين شخصين مختلفي الطباع في حياة الرائي، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن انتصار أحدهما قد يرجح كفة الصفة التي يمثلها في واقع الرائي أو محيطه، كأن ينتصر الكلب فيميل الأمر إلى الصراحة والمواجهة، أو تنتصر القطة فيميل إلى الحيلة والمداراة. وهذه أقوال اجتهادية ظنية قديمة تحتمل الخطأ ولا تصلح حكماً قاطعاً.
ويتغير المعنى بحسب من بدأ الصراع في الحلم؛ فإن كانت القطة هي من هاجمت الكلب فقد يشير ذلك إلى مبادرة من طرف يُظن فيه اللطف لمهاجمة طرف يُعرف بصراحته وقوته، وهو أمر قد يحمل دلالة على مكر خفي. أما إن بدأ الكلب الهجوم، فقد يعكس ذلك مواجهة مباشرة من شخص صريح تجاه من يشك في نواياه. ومشاعر الرائي تجاه كل طرف في الحلم تعكس بدورها ميوله الداخلية في التعامل مع مثل هذه المواقف في واقعه.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يعكس هذا المشهد صراعاً داخلياً بين نصيحتين متعارضتين تلقتهما من شخصين مختلفين في طبيعتهما، فتجد نفسها حائرة بين أخذ هذه النصيحة أو تلك. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى تنازع بين شخصيتين في محيط أسرتها، أحدهما صريح فظ والآخر لطيف لكنه غير صادق تماماً في تعامله معها. أما الرجل، فقد يربط ذلك بصراع بين قرارين مختلفين يواجههما في عمله. وللحامل، قد يعكس هذا الحلم توتراً بين نصائح متضاربة تتلقاها من محيطها بخصوص حملها وتربية مولودها القادم.
ومن التفاصيل الجديرة بالتأمل أيضاً حجم كل من الحيوانين في الحلم، فكلب كبير يواجه قطة صغيرة يحمل دلالة مختلفة عن مواجهة متكافئة الحجم، كما أن مكان الصراع -قرب بيت الرائي أو بعيداً عنه- يوضح مدى قرب هذا التنازع الرمزي من حياته الخاصة. وقد يلاحظ بعض الرائين أن الصراع انتهى بهروب أحد الطرفين دون خسارة واضحة، وهذا يشير غالباً إلى انفراج الموقف دون حسم كامل لصالح أي طرف.
ومن المفيد أيضاً أن يتذكر الرائي أن مثل هذه الصور المتناقضة في الأحلام كثيراً ما تعكس حواراً داخلياً يخوضه العقل بين خيارين يواجههما صاحبه في يقظته، فليس بالضرورة أن يكون لكل طرف في الصراع نظير بشري حقيقي، بل قد يكون الأمر برمته تمثيلاً رمزياً لتردد الرائي بين نهجين مختلفين في التعامل مع موقف واحد يشغل تفكيره.
ومن المفيد أيضاً أن يراجع الرائي بصدق أي الصفتين أقرب إلى طبيعته الحقيقية، فربما وجد أن ميله الفطري أقرب إلى أسلوب القطة في المداراة والحذر، أو أقرب إلى أسلوب الكلب في المواجهة والصراحة، وهذه المراجعة الذاتية قد تكون أنفع له من محاولة إسقاط الحلم على أشخاص بعينهم في محيطه، إذ إن الأحلام كثيراً ما تعكس صراعات داخلية أكثر مما تصور وقائع خارجية محددة بدقة.
وفي الختام، يبقى الأصل أن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يقين فيه، وأنه لا يصح البناء عليه في تفضيل شخص على آخر أو اتخاذ موقف حاسم تجاه أحد. والأولى أن يتوجه الرائي إلى الله بالدعاء أن يهديه لأحسن الأخلاق في تعامله مع الناس جميعاً، وأن يحسن الظن بربه في كل ما يقدّره له من أحوال، فالغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى.
