يرى بعض الرائين في منامهم قطة تجري مسرعة هاربة من كلب يطاردها بضراوة، فتختبئ تحت سيارة أو تتسلق سوراً أو تدخل من نافذة مفتوحة لتنجو بنفسها، وهذا المشهد الحركي المشحون بالتوتر يترك أثراً واضحاً من القلق لدى الرائي حتى بعد استيقاظه. ومن المهم التنبيه منذ البداية أن هذا التأويل رمزي ظني، وأن الفرار في المنام لا يعني بالضرورة هزيمة فعلية أو خطراً حقيقياً محدقاً بالرائي أو بمن يعرفهم.
والقطة الهاربة في عالم الرموز تحمل معنى الطرف الأضعف أو الأكثر حذراً في مواجهة قوة أكبر منه، وقد ترمز إلى شخص لطيف أو مسالم يتجنب المواجهة المباشرة مع من هو أقوى منه أو أكثر صراحة، بينما يمثل الكلب المطارد في الغالب قوة ضاغطة أو شخصاً حازماً يفرض حضوره بقوة. وهذا المشهد قد يعكس داخل الرائي نفسه ميلاً إلى الهروب من مواجهة يخشاها بدل مجابهتها بشكل مباشر.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن هروب الحيوان الضعيف من القوي في المنام قد يشير إلى تجنب الرائي لخصومة يعلم أنه لن يخرج منها منتصراً، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن نجاة القطة في نهاية المطاف من الكلب المطارد قد تحمل بشارة بالنجاة من أمر كان يقلق الرائي، حتى وإن مرّ بلحظات من الخوف والتوتر قبل ذلك. وهذه أقوال اجتهادية قديمة تحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي التعويل عليها وحدها.
ويتوقف المعنى إلى حد بعيد على نهاية المطاردة؛ فنجاة القطة واختباؤها بأمان تحمل دلالة مطمئنة بتجاوز أزمة أو خطر كان يهدد الرائي أو من يرمز إليه القطة، بينما توقف الحلم عند لحظة الخوف دون معرفة النهاية قد يعكس حالة قلق مستمرة لم تُحسم بعد في واقع الرائي، وقد يحتاج الأمر إلى وقت إضافي قبل أن تتضح نتيجته بشكل كامل. وسرعة الجري وشدة الخوف الظاهرة على القطة تعكس بدورها حجم التوتر الداخلي الذي يعيشه الرائي تجاه أمر يخشى مواجهته.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يعكس هذا المشهد تجنبها لمواجهة صعبة مع شخص حازم في حياتها، ربما أحد والديها أو رئيسة عملها، أو خشيتها من الإفصاح عن رأي تخالف فيه شخصاً ذا سلطة عليها. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى تفادي مواجهة مباشرة مع زوجها أو أحد أفراد أسرته حول قضية حساسة تؤجل الحديث عنها باستمرار. أما الرجل، فقد يعكس هذا الحلم إحجامه عن مواجهة خصم أو منافس يشعر أنه أقوى منه في موقف معين، أو تردده في المطالبة بحق يخشى فقدانه إن أثار الموضوع. وللحامل، قد يرمز هذا المشهد إلى مخاوفها من مواجهة تحديات الأمومة الجديدة التي تشعر أنها أكبر من طاقتها الحالية، وهو شعور طبيعي يمر به كثير من الأمهات لأول مرة.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه أيضاً مكان اختباء القطة في نهاية المطاردة، فاختباؤها في مكان آمن مألوف كبيت الرائي يحمل طمأنينة أكبر من اختبائها في مكان مجهول أو خطر. وشكل الكلب المطارد وحجمه يضيف بدوره بعداً تفسيرياً، فكلب كبير مخيف يرمز إلى تهديد أكبر من كلب صغير قد يكون مصدر إزعاج بسيط لا أكثر. كما أن استمرار سماع نباح الكلب حتى بعد اختفاء القطة عن الأنظار قد يشير إلى أن أثر ذلك التهديد أو التوتر يبقى حاضراً في ذهن الرائي فترة من الوقت حتى بعد تجاوزه ظاهرياً.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن كثيراً من أحلام المطاردة بشكل عام، بصرف النظر عن نوع الحيوانات المشاركة فيها، ترتبط بمشاعر توتر أو ضغط نفسي يعيشه الرائي في يقظته دون أن يجد له منفذاً واضحاً، فيترجمه العقل الباطن إلى مشهد جري وهروب أثناء النوم، وهذا تفسير نفسي معروف يكمّل الجانب الرمزي التقليدي ولا يتعارض معه بالضرورة.
ومن المفيد أيضاً أن يسأل الرائي نفسه بصدق عن الموقف الذي يتجنب مواجهته في يقظته، فغالباً ما يكون في داخله إدراك واضح لذلك الأمر حتى وإن حاول تأجيله أو الهروب منه، وقد يكون الحلم بمثابة دعوة لطيفة من عقله الباطن لمواجهة ذلك الموقف بدل الاستمرار في تجنبه، فالمواجهة الهادئة المدروسة غالباً ما تكون أخف وطأة بكثير مما يتخيله الإنسان قبل خوضها فعلياً.
وفي الختام، يبقى التذكير ضرورياً بأن هذا كله اجتهاد بشري ظني، وأنه لا يصح أن يورث خوفاً دائماً أو إحجاماً عن مواجهة ضرورية في الحياة الواقعية. والأولى أن يتوجه الرائي إلى الله بالدعاء أن يقويه على مواجهة ما يصعب عليه، وأن يحسن الظن به سبحانه في كل أحواله.
