يذكر كثير من الرائين أنهم سمعوا في منامهم صوت قطة يصدر عنها فحيح حاد أو مواء طويل مرعب أو صراخ يشبه أنين إنسان، دون أن يروا بالضرورة القطة نفسها بوضوح تام، وهذا النوع من الأحلام الصوتية يترك أثراً نفسياً قوياً يمتد إلى ما بعد الاستيقاظ. وقبل الخوض في أي تأويل، لا بد من التذكير بأن هذه الرؤى رمزية محضة تعتمد على موروث تفسيري ظني، وأنها لا تُنذر بمكروه محقق ولا تحمل يقيناً بأي حدث مستقبلي.
والصوت في عالم رموز الأحلام غالباً ما يكون أبلغ من الصورة، فصوت القطة المخيف قد يرمز إلى كلام سيئ يُقال عن الرائي في غيابه، أو إلى نميمة تدور حوله دون علمه، وقد يشير إلى إنذار داخلي من توتر أو خلاف يوشك أن يظهر إلى العلن، كما قد يعكس ببساطة قلقاً كامناً في نفس الرائي يترجمه العقل الباطن إلى صوت مزعج أثناء النوم. وتبقى القطة بشكل عام رمزاً متعدد الأوجه، يتراوح بين الإشارة إلى شخص منافق، وامرأة في حياة الرائي، ومصدر إزعاج متكرر، وأحياناً مجرد رمز لحيوان أليف مألوف لا يحمل دلالة عميقة.
وقد نُسب إلى بعض المفسرين القدامى كابن سيرين أن صوت القطط المزعج في المنام قد يدل على كلام باطل أو خصومة تنشأ من شخص قريب، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأصوات الحيوانية المخيفة عموماً قد تعكس اضطراباً في أمر دنيوي يخص الرائي أو من حوله. وهذه أقوال منقولة عن أئمة هذا العلم القديم، وهي تبقى اجتهادات تحتمل الخطأ، وقد اختلف فيها المفسرون أنفسهم بحسب سياق كل رؤيا.
ويختلف المعنى تبعاً لطبيعة الصوت؛ فالفحيح الحاد الذي يوحي بالتهديد يحمل دلالة أقرب إلى الخصومة والعداوة، بينما المواء الحزين الطويل قد يقترب أكثر من معنى الشكوى أو الحاجة إلى العون، وموقع الصوت -قريباً من الرائي أو بعيداً عنه، داخل بيته أو خارجه- يغيّر أيضاً من قرب الحدث المرموز إليه أو بعده عن حياته الخاصة. والحالة الشعورية للرائي أثناء سماع الصوت، سواء كانت رعباً شديداً أو مجرد انزعاج عابر، تعكس بدورها حجم القلق الذي يخالج نفسه في يقظته.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، قد يشير هذا الصوت إلى كلام يُقال عنها لا يسرها، أو إلى موقف مقلق تخشى مواجهته قريباً. أما المرأة المتزوجة فقد يعكس الحلم توتراً في بيتها أو خلافاً زوجياً بدأ يتشكل دون أن يظهر بعد بشكل صريح. وللرجل قد يرمز الصوت المخيف إلى خصم يتربص به أو مشكلة عمل تلوح في الأفق. أما الحامل، فكثيراً ما تفسَّر مثل هذه الأصوات المفزعة بأنها انعكاس لمخاوفها الطبيعية تجاه الولادة القادمة أو صحة جنينها، وهو قلق مشروع لا يستوجب تهويلاً.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تستحق الانتباه شدة الصوت وتكراره، فصوت واحد عابر أخف دلالة من أصوات متكررة تلاحق الرائي طوال الحلم، وكذلك وجود أكثر من قطة تصدر الصوت في آن واحد قد يشير إلى تعدد مصادر القلق أو الكلام السيئ بدل أن يكون مصدره واحداً. ولون القطة إن ظهرت -رغم غياب صورتها الواضحة أحياناً- يبقى عنصراً مكملاً، فالسواد يقترب من معنى القلق والغموض، بينما البياض قد يخفف من وطأة الدلالة ويقرّبها من مجرد تنبيه عابر لا يستدعي جزعاً.
ويُضاف إلى ذلك أثر الصوت على الرائي بعد استيقاظه؛ فبعض النائمين يشعرون بخفقان قلب حقيقي أو برغبة ملحة في التأكد من سلامة من يحبون، وهذا في حد ذاته انعكاس لحرص فطري أكثر منه نذيراً، إذ إن العقل كثيراً ما يترجم القلق اليومي المكبوت إلى أصوات مفزعة أثناء النوم دون أن يكون لذلك علاقة مباشرة بحدث قادم. كما يفرّق بعض المفسرين بين صوت يبدو صادراً عن ألم أو جوع، وهو أقرب إلى دلالة الحاجة والعوز، وبين صوت يبدو صادراً عن تهديد وغضب، وهو أقرب إلى دلالة الخصومة والمواجهة.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن كثيراً من العلماء المعاصرين ينبهون إلى خطأ الانشغال المفرط بتفسير كل صوت أو صورة تمر في المنام، فليست كل رؤيا تحمل رسالة، وقد تكون مجرد صدى لما مرّ بذهن الرائي في يومه من مشاهد أو أصوات مألوفة، فرؤية قطة أو سماع صوتها قد لا يكون إلا انعكاساً عابراً لا يستحق كل هذا القلق.
وفي النهاية، يجدر التذكير دوماً بأن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، وأن أحداً لا يملك الجزم بما سيحدث بناءً على صوت سُمع في منام عابر. فمن انزعج من مثل هذه الرؤيا، فليطمئن قلبه بذكر الله والدعاء، وليُحسن الظن بربه سبحانه، فالغيب علمه عند الله وحده، ولا ينبغي أن يُبنى على الأحلام خوف دائم أو قرار في أمور الحياة الواقعية.
