يرى بعض الرائين قطة مربوطة بحبل أو سلسلة إلى عمود أو باب أو قطعة أثاث، تحاول التحرك ضمن نطاق ضيق يسمح به طول الحبل، فتشدّ أحياناً بقوة محاولة الفكاك، وتستكين أحياناً أخرى قابلة بحدود حركتها المفروضة عليها. ويختلف هذا المشهد عن حبس القطة داخل قفص مغلق تماماً، ذلك أن الحبل يسمح بقدر من الحركة والمرونة وإن ظل مقيداً، وهذا الفارق الدقيق له انعكاسه في التأويل. ومن الضروري التأكيد أن هذا كله اجتهاد رمزي ظني لا يقيني، وأنه لا يعكس بالضرورة واقعاً حرفياً يعيشه الرائي أو من حوله.
فالحبل أو السلسلة في عالم الرموز يحملان معنى السيطرة الجزئية أو الرقابة المفروضة على أمر متحرك بطبيعته، فحين تُقيَّد القطة، التي ترمز في الغالب إلى صفة متقلبة أو شخص متردد أو موقف يحتاج ضبطاً، فإن ذلك قد يشير إلى محاولة الرائي أو شخص آخر في حياته لضبط ذلك الأمر دون قمعه كلياً، بخلاف القفص الذي يوحي بحصار تام. وهذا يجعل معنى الرؤية أقرب إلى فكرة التنظيم أو وضع حدود معقولة أكثر من فكرة الحرمان الكامل.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن ربط الحيوان بحبل في المنام قد يدل على وضع قيد أو شرط على أمر كان منفلتاً بلا ضابط، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن طول الحبل ومرونته قد يعكسان مقدار الحرية المتبقية لصاحب الشأن رغم وجود ذلك القيد، فحبل طويل مرن يوحي بتقييد خفيف، بينما حبل قصير مشدود بإحكام يوحي بضبط أكثر صرامة. وهذه أقوال اجتهادية قديمة تحتمل الصواب والخطأ.
ويتوقف المعنى أيضاً على من قام بربط القطة في الحلم؛ فإن كان الرائي نفسه هو من ربطها، فقد يعكس ذلك محاولة منه لضبط أمر يخصه أو التحكم في تصرف كان يشعر أنه بحاجة إلى كبح، أما إن كان شخص آخر هو من ربطها، فقد يشير ذلك إلى شعور الرائي بأن طرفاً خارجياً يفرض عليه أو على من يهمه أمره حدوداً معينة لم يختَرها بنفسه. وردة فعل القطة تجاه القيد، بين الاستسلام الهادئ والمقاومة المستمرة، تعكس بدورها مدى تقبل صاحب الشأن لذلك الضبط المفروض عليه.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يعكس هذا المشهد قيوداً اجتماعية معقولة تضبط تصرفاتها دون أن تحرمها من حريتها الأساسية، كضوابط أسرية تحفظ حقها دون أن تخنق طموحها. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى اتفاق أو ضابط جديد تم وضعه في بيتها لتنظيم أمر كان فوضوياً من قبل. أما الرجل، فقد يرمز هذا الحلم إلى التزام مالي أو تعاقد جديد يقيد بعض حريته لكنه يحقق له استقراراً. وللحامل، قد يعكس هذا المشهد التزامها بروتين صحي جديد خلال فترة حملها ترى فيه ضبطاً مفيداً رغم ما يفرضه من قيود.
ومن التفاصيل الجديرة بالتأمل أيضاً مادة الحبل ولونه، فحبل من قماش ناعم يوحي بقيد رحيم أقرب إلى النصيحة منه إلى الإكراه، بينما سلسلة معدنية ثقيلة توحي بضبط أكثر صرامة وربما قسوة غير مبررة. ومكان الربط أيضاً له دلالته، فربط القطة قرب مصدر طعام ومياه يوحي بتقييد مصحوب برعاية، بينما ربطها بعيداً عن كل احتياجاتها يوحي بإهمال يرافق ذلك القيد.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن بعض القيود في الحياة، مهما بدت مزعجة للوهلة الأولى، تحمل في طياتها حماية أو تنظيماً ضرورياً، وأن التمييز بين القيد الجائر والقيد الحكيم هو ما يحدد حقيقة الشعور الذي ينبغي أن يصاحب مثل هذه الرؤية، فليس كل تقييد سيئاً، وليس كل تحرر مطلق مفيداً بالضرورة لصاحبه في كل الأحوال.
وقد يلاحظ بعض الرائين أن القطة في الحلم تنجح أحياناً في تحريك الحبل أو جذبه إلى أقصى مدى دون أن تنقطع، وهذا التفصيل قد يعكس محاولات مستمرة من صاحب الشأن لتوسيع هامش حريته ضمن الإطار المسموح به دون كسر القاعدة كلياً، وهو سلوك يمثل حكمة عملية في التعامل مع القيود المفروضة، إذ يوازن بين قبول الضابط واستثمار الهامش المتاح فيه إلى أقصى درجة ممكنة دون تمرد كامل قد تكون عواقبه أصعب من الالتزام المرن.
وفي الختام، يبقى الأصل أن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وأنه لا يصح البناء عليه في الحكم على عدالة قيد بعينه في واقع الرائي. والأولى أن يتوجه إلى الله بالدعاء أن يلهمه الحكمة في التمييز بين ما ينفعه من ضوابط وما يضره، وأن يحسن الظن به سبحانه في كل تدبيره، فهو أعلم بما يصلح شأنه في العاجل والآجل.
