تختلف رؤية مطاردة الرائي لقطة عن الرؤية السابقة اختلافًا جوهريًا في الشعور المصاحب لها، فالرائي هنا هو من يسعى ويطارد لا من يُطارَد، وهذا الفارق في الدور له أثر كبير في توجيه التفسير، مع بقاء التذكير الدائم أن كل ما يُذكر في هذا الباب اجتهاد ظني لفهم رمز لا حكم يقيني على حال الرائي.
إذا كانت القطة ترمز إلى شخص أو أمر يحمل شيئًا من الغموض أو الخداع أو الأنوثة في حياة الرائي، فإن مطاردته لها قد تعبر عن سعيه لكشف حقيقة موقف يشك فيه، أو محاولته للسيطرة على أمر يشعر أنه يفلت منه، أو رغبته في الوصول إلى شخص يشعر أنه يتهرب منه أو يصعب التقرب منه. وقد تحمل المطاردة أيضًا معنى السعي وراء فرصة أو أمر مرغوب يصعب إدراكه بسهولة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن سعي الرائي وراء حيوان في المنام قد يدل على سعيه لتحقيق أمر يصعب عليه بلوغه، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مطاردة القطة بالذات قد ترمز إلى محاولة الرائي كشف أمر شخص يتصرف بازدواجية معه. وتبقى هذه الأقوال اجتهادات منسوبة يحتمل صوابها وخطؤها، وينبغي عدم التعامل معها كقاعدة ثابتة تنطبق على كل رائٍ بالطريقة نفسها.
ويتوقف المعنى على ما إذا كان الرائي ينجح في الإمساك بالقطة أم تفلت منه، فالنجاح في الإمساك بها قد يشير إلى تحقيق مراد أو الوصول إلى حقيقة كان يبحث عنها، بينما إفلاتها منه رغم محاولاته المتكررة قد يعكس شعوره بالعجز أمام أمر يسعى إليه دون جدوى في واقعه. كذلك فإن الدافع النفسي وراء المطاردة، كالغضب أو الفضول أو الرغبة في اللعب، يضيف تباينًا في المعنى العام.
بالنسبة للفتاة غير المتزوجة، قد تعبر مطاردتها لقطة في الحلم عن سعيها لفهم موقف شخص يهمها أمره أو كشف نواياه الحقيقية. أما المرأة المتزوجة فقد ترتبط الرؤية بمحاولتها ضبط أمر منزلي أو أسري يشعرها بالإفلات من يدها. وبالنسبة للرجل، فقد تشير إلى سعيه وراء فرصة عمل أو محاولته كشف حقيقة موقف مع شريك أو زميل. أما الحامل فقد تعكس الرؤية رغبتها في تنظيم أمور تحضيرها للمولود والسيطرة على تفاصيل هذه المرحلة.
تفاصيل مثل نجاح المطاردة أو فشلها، وسرعة القطة، والمكان الذي جرت فيه، ومدى إصرار الرائي فيها، جميعها تضيف طبقات إضافية للتفسير؛ فالمطاردة الهادئة المرحة تحمل معنى مختلفًا تمامًا عن المطاردة العنيفة المصحوبة بالغضب أو التوتر الشديد.
وفي النهاية، يبقى هذا كله اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يصح الاعتماد عليه في تقرير مصير أو الحكم على أحد، فليأخذ الرائي منه العبرة إن وجد فيه خيرًا، وليدع الله أن ييسر له أموره، وليعلم أن حقيقة الغيب لا يطلع عليها إلا الله سبحانه.
يفرّق بعض من تناول هذا الباب بين مطاردة الرائي لقطة بدافع الفضول أو اللعب، ومطاردته لها بدافع الغضب أو الرغبة في التخلص منها، فالدافع الأول أقرب إلى دلالة السعي المرح وراء أمر مستجد في الحياة، بينما الدافع الثاني أقرب إلى الرغبة في مواجهة شخص أو موقف مزعج بشكل مباشر بعد فترة من التردد، وهذا الفارق في الدافع النفسي يستحق تأملًا من الرائي نفسه بعد استيقاظه، إذ إن استحضاره لمشاعره أثناء المطاردة يكشف كثيرًا من جوانب الرؤيا التي قد تغيب عن التفسير العام.
كما يُستحسن أن يراجع الرائي ما إذا كان يمر فعليًا بموقف يسعى فيه لكشف حقيقة غامضة أو للحصول على إجابة من شخص يتهرب منه، فكثيرًا ما تكون رؤيا المطاردة النشطة انعكاسًا مباشرًا لإصرار داخلي يحمله الرائي في يقظته تجاه أمر لم يحسمه بعد، وقد يكون هذا الإصرار محمودًا إن كان يسعى فيه لحق مشروع، أو مرهقًا إن كان يطارد وهمًا لا طائل من ورائه.
ومن الحكمة أن يتعلم الرائي من هذا المشهد قيمة المثابرة المتزنة، فليست كل مطاردة تستحق أن يُستنفد فيها الجهد كله، وقد يكون الأجدى أحيانًا أن يترك الأمر ويتوكل على الله في تيسيره بدلًا من الإصرار على ملاحقته بكل ثمن، فالحكمة تقتضي معرفة متى يُبذل الجهد ومتى يُترك الأمر لتدبير الله.
ومن الجوانب الأخرى التي تستحق الانتباه في هذا النوع من الرؤى مدى إحساس الرائي بالتعب أو الإرهاق أثناء المطاردة، فإن كان يطارد القطة بخفة ونشاط دون كلل، فهذا يعكس حماسًا حقيقيًا تجاه ما يسعى إليه في واقعه، أما إن شعر بثقل وتعب شديدين أثناء المطاردة رغم استمراره فيها، فقد يشير ذلك إلى أن الأمر الذي يسعى إليه يستهلك من طاقته أكثر مما يستحق، وهذا تنبيه لطيف يستحق التوقف عنده وإعادة تقييم الجهد المبذول مقابل ما يُنتظر تحقيقه.
وأخيرًا، فإن كثيرًا ممن يرون أنفسهم يطاردون شيئًا في منامهم يستيقظون بشعور من الحيوية والرغبة في إنجاز أمر معلق في حياتهم، وهذا بحد ذاته أثر إيجابي للرؤيا بصرف النظر عن دقة أي تفسير رمزي مرتبط بها، فالأحلام أحيانًا تكون بمثابة شحنة نفسية تدفع صاحبها للعمل والمبادرة بدلًا من الانتظار السلبي.
