يرى بعض الرائين في منامهم قطة قذرة، متسخة الفراء، ربما تحمل آثار طين أو أوساخ، تقترب منهم وتلامس ثيابهم أو أيديهم، فيشعرون باشمئزاز فوري ورغبة ملحة في تنظيف أنفسهم بعد ذلك مباشرة، وهذا المشهد يحمل شحنة انفعالية سلبية واضحة تختلف عن ملامسة قطة نظيفة وديعة. ومن الضروري التذكير منذ البداية أن هذا التفسير رمزي ظني، وأنه لا يعني بالضرورة تلوثاً حرفياً في واقع الرائي، بل هو احتمال تأويلي يستحق النظر ضمن سياق أوسع من تفاصيل الحلم ومشاعر صاحبه.
والقذارة في عالم الرموز تحمل غالباً معنى الانزعاج من موقف أو شخص غير لائق يقترب من الرائي رغماً عنه ودون أن يملك دفعه بسهولة، فقد ترمز ملامسة القطة القذرة إلى تعرض الرائي لكلام سيئ أو موقف محرج بسبب شخص لا يحسن التصرف، أو قد تشير إلى تأثره سلباً بأجواء غير صحية في محيط عمله أو حياته الاجتماعية. وبما أن القطة ترمز أحياناً إلى شخص منافق أو مخادع، فإن قذارتها هنا قد تعزز ذلك المعنى وتضيف إليه بعداً من الاستهجان الأخلاقي.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن ملامسة القذارة في المنام قد تدل على همّ أو كلام سيئ يصيب الرائي من مصدر لا يستحق الاهتمام أو الالتفات إليه أصلاً، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن سرعة تخلص الرائي من تلك القذارة في الحلم، كأن يغسل يديه فوراً بماء نظيف، تحمل بشارة بسرعة تخلصه من أثر ذلك الموقف المزعج في واقعه أيضاً دون أن يترك فيه أثراً طويل الأمد. وهذه أقوال اجتهادية قديمة تحتمل الصواب والخطأ.
ويتوقف المعنى على شدة اشمئزاز الرائي وردة فعله؛ فإن كان اشمئزازه شديداً مع محاولة فورية للتنظف، فذلك يعكس رفضاً داخلياً قوياً لموقف مشابه في يقظته لا يقبل المساومة فيه، أما إن تقبل الأمر بهدوء نسبي، فقد يشير ذلك إلى تعوده على التعامل مع مواقف غير مريحة دون أن تهزه كثيراً أو تفسد عليه صفو يومه. ومكان الملامسة على جسد الرائي -يديه أم ثيابه أم وجهه- يضيف بعداً آخر، فملامسة الوجه أكثر إزعاجاً من ملامسة الثياب التي يمكن تغييرها بسهولة.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يعكس هذا المشهد تعرضها لكلام غير لائق من شخص لا تحترمه، تشعر برغبة في إبعاد نفسها عنه سريعاً وقطع كل تواصل معه نهائياً. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى موقف محرج تسبب فيه شخص من محيط زوجها أو أسرته تفضل عدم تكراره مستقبلاً. أما الرجل، فقد يرمز هذا الحلم إلى تعامل مع شخص غير نزيه في عمله يشعر تجاهه بالاشمئزاز الأخلاقي ويفكر جدياً في إنهاء التعامل معه. وللحامل، قد يعكس هذا المشهد قلقها من التعرض لأجواء أو أشخاص تعتقد أنهم قد يؤثرون سلباً على راحتها النفسية في هذه المرحلة الحساسة من حملها.
ومن التفاصيل الجديرة بالتأمل أيضاً مصدر القذارة إن كان واضحاً في الحلم، فقذارة ناتجة عن طين أو تراب أخف دلالة من قذارة ناتجة عن مصدر مستقبح كالنفايات أو الوحل الكريه، إذ الأخيرة تحمل معنى أقوى من الاستهجان والرفض القاطع. وسرعة زوال أثر القذارة بعد الغسل تعكس أيضاً مدى سهولة تجاوز الرائي لذلك الموقف المزعج في واقعه.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن الشعور بالاشمئزاز من موقف أو شخص أمر إنساني طبيعي لا يستدعي لوم النفس، وأن أفضل تعامل مع مثل هذه المواقف في اليقظة هو الابتعاد الهادئ دون الدخول في صدام غير ضروري، فالحفاظ على السلام الداخلي أولى من الانجرار وراء كل موقف مزعج يعترض طريق الإنسان بين الحين والآخر.
وقد يلاحظ بعض الرائين أن القطة القذرة تحاول الاقتراب مراراً رغم محاولاتهم إبعادها، وهذا الإلحاح في الحلم قد يعكس صعوبة حقيقية يواجهها الرائي في التخلص من تأثير شخص أو موقف مزعج يتكرر ظهوره في حياته رغم محاولاته المتكررة لتجنبه، وهو ما قد يستدعي منه حسماً أكثر وضوحاً في وضع الحدود بدل الاكتفاء بمحاولات إبعاد خجولة لا تحقق النتيجة المرجوة على المدى الطويل.
وفي الختام، يبقى الأصل أن هذا كله اجتهاد بشري ظني، وأنه لا يصح البناء عليه في الحكم على شخص بعينه دون بينة واضحة. والأولى أن يتوجه الرائي إلى الله بالدعاء أن يبعد عنه كل سوء ويطهر قلبه من أثر المواقف المزعجة، وأن يحسن الظن به سبحانه في كل تدبيره، فالطهارة الحقيقية تبدأ من سلامة القلب قبل نظافة البدن.
