من أكثر المشاهد تأثيراً في وجدان الرائي أن يرى قطته الأليفة التي اعتاد رؤيتها في بيته تمرض تدريجياً أمام عينيه ثم تفارق الحياة، فيستيقظ وقد خالطه حزن حقيقي كأنه فقد كائناً عزيزاً عليه بالفعل، خصوصاً إن كان قد ربط تلك القطة في منامه بذكريات أو مشاعر معينة. ومن المهم جداً التذكير منذ البداية أن هذا المشهد رمزي بحت، وأنه لا يعني بأي حال موتاً حقيقياً لشخص أو حيوان في حياة الرائي، فالربط المباشر بين رمز الموت في المنام وموت فعلي في اليقظة قول لا يصح إطلاقه على عواهنه.
والقطة في عالم الرموز تحمل معاني متعددة تتراوح بين الإشارة إلى شخص منافق، أو امرأة في حياة الرائي، أو الاستقرار المنزلي، أو الإزعاج المتكرر، أو المودة الصادقة، وموتها في المنام يحمل في الغالب معنى انتهاء مرحلة أو زوال أمر كانت ترمز إليه أكثر من كونه نذيراً بموت حقيقي. فقد يشير موت القطة بسبب المرض إلى زوال حالة كانت تشغل الرائي، كخلاف قديم انتهى، أو عادة تخلص منها، أو مرحلة من حياته طويت صفحتها بهدوء دون ضجيج.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن موت الحيوان الأليف في المنام قد يدل على زوال نعمة كان يتمتع بها الرائي أو انتهاء صحبة كانت قائمة، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن موت القطة تحديداً بسبب المرض قد يشير إلى تخلص الرائي من صفة سيئة كانت ترمز إليها القطة، كالنفاق أو الخداع في محيطه، أكثر من كونه خبراً سيئاً بحد ذاته. وهذه أقوال منقولة عن أهل هذا العلم القديم تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى اجتهادات ظنية لا قطعية.
ويختلف المعنى تبعاً لمشاعر الرائي أثناء الحلم؛ فحزن عميق على موت القطة قد يعكس تعلقاً حقيقياً بأمر يخشى الرائي فقدانه في يقظته، بينما شعور بالراحة أو اللامبالاة بعد موتها قد يشير إلى تخلص مرتقب من عبء أو إزعاج كان يثقل كاهله. كذلك فإن طول مرض القطة قبل موتها -هل كان مفاجئاً أم تدريجياً طويلاً- يعكس مدى بطء أو سرعة زوال الأمر المرموز إليه في واقع الرائي.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرتبط هذا المشهد بانتهاء صداقة أو علاقة لم تعد تشعر بجدواها، أو بتخلصها من عادة قديمة كانت تثقل عليها نفسياً. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى زوال توتر كان قائماً في بيتها أو انتهاء مرحلة صعبة مرت بها أسرتها، وربما إلى تجاوزها خلافاً قديماً مع أحد أقاربها. أما الرجل فقد يربط ذلك بانتهاء مشروع أو علاقة عمل لم تعد مجدية، أو بطي صفحة شراكة لم تحقق الفائدة المرجوة منها. وللحامل، قد يعكس هذا الحلم قلقها الطبيعي من فقدان شيء أو تغير كبير قادم في حياتها مع استقبال مولودها، وهو قلق مشروع لا علاقة له بموت حقيقي، بل هو أقرب إلى تعبير رمزي عن انتقالها من مرحلة حياتية إلى أخرى أكثر مسؤولية.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه أيضاً طريقة دفن القطة أو التخلص من جثتها إن ظهرت في الحلم، فدفنها بهدوء واحترام قد يشير إلى طي صفحة قديمة بسلام، بينما التخلص منها بإهمال قد يعكس رغبة في نسيان أمر مزعج بسرعة دون معالجته جيداً. ولون القطة وحالتها قبل المرض يضيفان أيضاً بعداً تفسيرياً يستحق التأمل، فموت قطة بيضاء هادئة يحمل وقعاً مختلفاً عن موت أخرى سوداء كانت مصدر إزعاج دائم للرائي في أحلام سابقة.
ومن المفيد أيضاً أن يتذكر الرائي أن الأحلام التي تتضمن موت حيوان أليف كثيراً ما ترتبط بمرحلة تحول نفسي يمر بها صاحبها دون أن يعيها بوضوح في يقظته، فالعقل الباطن يستخدم صورة الموت والفناء للتعبير عن نهاية حقبة معينة أو بداية أخرى جديدة، تماماً كما يستخدم صور الميلاد للتعبير عن بدايات مشابهة. ولذلك فإن مثل هذا الحلم قد يكون في حقيقته إشارة إلى نضج داخلي أو تجاوز مرحلة صعبة أكثر من كونه نذيراً بأي مكروه فعلي يخشاه الرائي.
وفي الختام، يبقى الأهم أن يدرك الرائي أن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يحمل يقيناً بموت حقيقي لأي إنسان أو حيوان، وأن مثل هذه الأحلام لا ينبغي أن تورث خوفاً أو هلعاً غير مبرر. والأولى دوماً أن يتوجه الرائي إلى الله بالدعاء وحسن الظن به سبحانه، فهو وحده العالم بالغيب وبآجال الخلق جميعاً، ولا يملك أحد سواه علم ذلك مهما بدت الرؤيا واضحة أو مؤثرة، وليطمئن قلبه بأن الأحلام مهما أثّرت فيه وجدانياً تبقى عالماً رمزياً منفصلاً عن حقيقة الأقدار التي بيد الله وحده.
