تحظى القطة البيضاء بمكانة خاصة بين رؤى القطط عموماً، إذ يصفها كثير من الرائين بأنها تركت في نفوسهم إحساساً بالدفء والطمأنينة حتى قبل أن يستيقظوا، فقد تأتي هادئة تمشي بهدوء قرب الرائي، أو تقترب منه بمودة وتحك جسدها بساقه، أو تنظر إليه بعينين صافيتين دون أي إشارة تهديد. ومثل هذه الرؤية تُروى كثيراً على أنها بشرى أو خبر سار، ويحرص كثير ممن يرونها على تذكر أدق تفاصيلها بعد الاستيقاظ لعلهم يجدون فيها ما يثلج صدورهم، لكن لا بد من التنبيه منذ البداية إلى أن هذا الربط رمزي ظني، وأن الأحلام لا تحمل يقيناً بحدث مقبل مهما بدت مبشّرة، وأن الشعور الطيب المصاحب للرؤيا لا يعدو كونه انطباعاً نفسياً لا دليلاً قاطعاً.
والقطط في عالم الرموز تحمل دلالات متعددة تتغير بحسب السياق، فهي تارة ترمز إلى شخص منافق يخفي غير ما يظهر، وتارة إلى امرأة في حياة الرائي كزوجة أو قريبة، وتارة إلى الاستقرار الأسري والدفء المنزلي، وقد تشير أحياناً إلى إزعاج بسيط أو مطالبة متكررة تشبه الإلحاح، بينما تحمل في أحيان أخرى معنى المودة الصادقة والرفقة الطيبة. واللون الأبيض تحديداً يميل في تراث التعبير الرمزي إلى تخفيف حدة أي معنى سلبي يمكن أن ترمز إليه القطة، ويقرّبها أكثر من دلالات الصفاء والنقاء والخير المرتقب.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الألوان البيضاء في المنام عموماً تميل إلى حمل معاني الخير والبركة والسلامة، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القطة الأليفة الهادئة قد تدل على امرأة صالحة في البيت أو على معيشة طيبة يرزق بها الرائي. وهذه أقوال منقولة عن مفسرين قدامى يجتهدون في قراءة الرموز، وهي تبقى ظنية تحتمل الخطأ، وقد لا تتفق مع كل سياق يمر به الرائي في واقعه.
ويبقى سلوك القطة هو الفيصل الأهم في تحديد المعنى، فقطة بيضاء وديعة تقترب بمودة تختلف تماماً عن أخرى بيضاء لكنها هرّابة خائفة، أو مريضة هزيلة، فحالة القطة الصحية والنفسية تضيف دلالة أخرى غير مرتبطة باللون وحده. كذلك فإن شعور الرائي في الحلم بالراحة والسكينة عند رؤيتها يعزز الجانب الإيجابي من التأويل، بينما لو رافق المشهد قلق غامض رغم بياض القطة فقد يستدعي ذلك النظر في تفاصيل أخرى من الحلم بدل الاكتفاء باللون.
وللفتاة غير المتزوجة، قد تشير القطة البيضاء الودودة إلى استقرار قادم في حياتها العاطفية أو خبر يسرها من إحدى صديقاتها، وقد تعكس أيضاً شعوراً داخلياً بالطمأنينة تجاه قرار اتخذته مؤخراً في حياتها الشخصية أو الدراسية. وللمرأة المتزوجة، قد ترمز إلى دفء أسري يعمّ بيتها أو إلى تحسن في علاقتها بزوجها، وربما إلى خبر سار يخص أحد أبنائها أو استقرار مالي كانت تنتظره. أما الرجل فقد يربط هذا المشهد بخبر مالي أو مهني طيب يلوح في أفقه القريب، أو بانفراج في مشكلة كانت تؤرقه منذ مدة. وللحامل، كثيراً ما تُفسَّر القطة البيضاء الهادئة بأنها إشارة مطمئنة تخفف من قلقها الطبيعي تجاه الحمل والولادة، دون أن يعني ذلك يقيناً بسلامة تفصيلية لا يعلمها إلا الله.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه أيضاً نظافة القطة ونصاعة بياضها، فكلما بدت أنظف وأكثر لمعاناً كان الانطباع الإيجابي أقوى في نفس الرائي، بينما لو كانت بيضاء لكنها متسخة أو مصابة فإن ذلك يخفف من صفاء الدلالة ويقرّبها من معنى مختلط بين الخير المشوب ببعض الهمّ. وعدد القطط البيضاء إن تعدد أيضاً له أثره، فقطة واحدة تحمل تركيزاً على أمر محدد، بينما تعددها قد يوسّع دائرة الخير لتشمل أكثر من جانب في حياة الرائي.
ويرى بعض من يهتم بهذا الباب أن طريقة دخول القطة إلى المشهد لها دلالتها أيضاً؛ فظهورها المفاجئ اللطيف قد يشير إلى خبر يأتي دون مقدمات، بينما اقترابها التدريجي الهادئ قد يوحي بأن الخير المرتقب يتشكل رويداً رويداً لا دفعة واحدة. كما أن مكان ظهورها -هل كان في ضوء نهار ساطع أم في عتمة خفيفة- قد يضيف تبايناً لطيفاً للمعنى، فالضوء يميل إلى تعزيز جانب الوضوح والبشارة، بينما الظل الخفيف لا ينفي الخير لكنه قد يشير إلى أن الأمر لم يتكشف بعد بكامل تفاصيله.
ومهما بدت هذه الرؤية مبشّرة، فإن الواجب يبقى التذكير بأن تعبير الرؤى اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وأنه لا يصح البناء عليه في اتخاذ قرارات حياتية أو التعلق بأمل محدد ينتظره الرائي بعينه. والأفضل دوماً أن يقابل المرء مثل هذه الرؤى الطيبة بالشكر لله وحسن الظن به سبحانه، مع علمه اليقيني أن الغيب لا يطّلع عليه أحد سوى الله عز وجل.
