يجتمع في رؤية البكاء أثناء الجنازة رمزان معًا: رمز الجنازة الذي يحمل معنى الانتقال والتحول، ورمز البكاء الذي له في كتب التعبير دلالات خاصة تختلف باختلاف طريقته وشدته، ولذلك فإن تفسير هذا المشهد المركب يحتاج النظر في الاثنين معًا لا في أحدهما منفردًا. والقاعدة التي اتفق عليها كثير ممن كتبوا في هذا الباب أن البكاء في المنام ليس بالضرورة انعكاسًا لحزن حقيقي قادم، بل هو أقرب إلى تعبير رمزي عن انفعال داخلي يبحث عن مخرج.
ذكر ابن سيرين وغيره من المفسرين أن الرجل الذي يرى نفسه يبكي وقت الجنازة في منامه، فإن ذلك قد يدل على أنه سيراجع نفسه في بعض أموره ويعيد النظر في تصرفات مضت له، وهو معنى يقترب من التوبة والمحاسبة الذاتية أكثر من كونه خبرًا عن مصيبة. كما ورد أن من رأى نفسه يمشي في جنازة ويبكي مع جماعة من الناس دون صراخ أو عويل، فإن ذلك يدل عند بعضهم على انتهاء حالة حزن كان يعيشها وزوال همه ودخول البهجة إلى بيته بعد ضيق طال أمده، وهي من أكثر صور البكاء في هذا السياق حملًا للمعاني الطيبة. ويُلاحظ في هذا التأويل تحديدًا أن العبرة بحال الجماعة المحيطة بالرائي لا بحاله وحده، فاجتماع الناس على البكاء الهادئ في مشهد واحد يوحي بتضامن اجتماعي حول أمر ينتهي بخير، بخلاف بكاء الرائي منفردًا وسط جنازة صامتة لا يشاركه فيها أحد، وهو مشهد يميل أكثر إلى الإحساس بالوحدة والحاجة إلى سند.
ويفرق أغلب من كتب في هذا الباب بين نوعين من البكاء: الأول مصحوب بصراخ شديد وعويل، وهو عند كثيرين دلالة على حزن وألم وهموم حقيقية يعاني منها الرائي أو ستقع له قريبًا، والثاني بكاء هادئ بلا صوت مرتفع، وهو الأقرب إلى معنى التخلص من الهموم والضغوط التي كان يعيشها الرائي، وذكر النابلسي أن البكاء المحمود في المنام عادة ما يكون مصحوبًا بنور أو ضياء يرمز إلى انكشاف الهم وزوال الغم عن صاحبه، بخلاف البكاء المظلم الموحش الذي يبقى في دائرة المعاني الأقل طمأنينة. ومما يعزز هذا التفريق أن أغلب من كتبوا في علم التعبير ينظرون إلى الدمعة الهادئة في المنام على أنها تطهير للنفس من ثقل داخلي، بخلاف الصراخ الذي يوحي بانفجار مكبوت لم يجد له متنفسًا في الواقع، وهذا ما يجعل ملاحظة طبيعة البكاء ذاتها أهم أحيانًا من مناسبة الجنازة التي وقع فيها.
بالنسبة للفتاة العزباء، فإن رؤيتها لنفسها تبكي في جنازة بهدوء قد تعبر عن تخلصها من ضغط نفسي كانت تعيشه بسبب قرار عاطفي أو دراسي مؤجل، وقد يرتبط الحلم بشعورها بالارتياح بعد إغلاق ملف كان يشغل تفكيرها طويلًا، أما إن كان البكاء مصحوبًا بصراخ شديد فقد يعكس قلقها الحالي أكثر من كونه إنذارًا بأمر مقبل.
أما المرأة المتزوجة، فقد يشير بكاؤها الهادئ في جنازة المنام إلى انفراج خلاف كان قائمًا بينها وبين زوجها أو أهل بيتها، وإلى دخول مرحلة من الاستقرار بعد فترة من التوتر، بينما البكاء الشديد قد يعكس ثقل مسؤوليات تحملتها مؤخرًا وتحتاج مشاركتها مع من حولها بدل كتمانها.
وللحامل، فقد يرتبط بكاؤها في هذا المشهد بمشاعرها المختلطة الطبيعية قبيل الولادة، من ترقب وخوف وفرح في آن واحد، وغالبًا ما يكون الحلم انعكاسًا لهذا المزيج الشعوري لا نذيرًا بأي مكروه يخصها أو يخص مولودها.
أما الرجل، فقد يدل بكاؤه الهادئ في الجنازة على مراجعته لنفسه كما سبق، أو على تفريغ انفعال كان يكتمه أمام الناس في يقظته لاعتبارات اجتماعية، فيجد في المنام مساحة يُخرج فيها ما بداخله دون حرج، وهو أمر مألوف نفسيًا يفسر تكرار هذا النوع من المشاهد عند من يعيشون ضغطًا مكتومًا. وقد يرتبط بكاء الرجل بالذات في هذا المشهد بذكرى شخص فقده فعلًا وما زال يحمل حزنه في صدره دون أن يبوح به لأحد، فيأتي المنام ليمنحه فرصة لتفريغ هذا الشجن بطريقة لا يخجل منها.
ومن التفاصيل المهمة التي ينبغي مراعاتها: هل كان البكاء بصوت مرتفع أم هادئًا، وهل صحبه شعور بالراحة بعده أم استمر الحزن، وهل عرف الرائي صاحب الجنازة أم كان مجهولًا، فهذه العناصر تحدد بدقة أكبر إلى أي كفة تميل الرؤية.
وفي الختام، يبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا وليس علمًا يقينيًا تُبنى عليه قرارات مصيرية، فعلم الغيب عند الله وحده. ومن رأى ما يقلقه في منامه فليستقبله بالدعاء والصدقة لا بالانشغال والحزن، وليحسن ظنه بربه في كل ما يقدّر له.
