من الرؤى التي تترك في نفس صاحبها أثرًا يمزج بين الحنين والطمأنينة أن يرى الميت وهو يمشي أو يجلس في حديقة غنّاء أو بستان تكتسي أرضه بالخضرة والثمار، وربما رآه جالسًا تحت ظل شجرة وارفة، أو يقطف من ثمارها، أو يسير بخطى هادئة بين ممراتها. كثير ممن يرون هذا المشهد يستيقظون وقد خفّ عنهم شيء من وطأة الحزن على فراق من فقدوه، لأن صورة الخضرة والاتساع في المنام غالبًا ما ترتبط في الذهن الجمعي بالراحة والسكينة، وهذا الشعور له في الحقيقة سند عند من تناولوا تعبير الرؤى قديمًا، وهو ما يفسر كثرة تكرار هذا المشهد بالذات عند من يفقدون آباءهم أو أمهاتهم أو من هم قريبون منهم.
فقد ذهب جمع من أهل التعبير، وعلى رأسهم من يُنسب إليهم كتاب ابن سيرين في التعبير، إلى أن رؤية الميت في أرض خضراء واسعة أو بستان يانع تدل على أن صاحب هذه الرؤيا ينتقل من حال إلى حال أفضل منها، وأن الميت نفسه في حال طيبة. وربط بعضهم بين اخضرار البستان في المنام وبين ما ورد من وصف نعيم الآخرة بالجنات والبساتين، فرأوا أن رؤية الميت مستريحًا وسط هذه الخضرة قد تكون إشارة إلى رضا نال به عند ربه، والله أعلم بحقيقة حال كل ميت. ومع ذلك فإن هذا الربط اجتهاد من أهل التعبير وليس نصًا قطعيًا، فلا يصح الجزم بمصير أي إنسان بعينه استنادًا إلى رؤيا منام.
غير أن تفصيل المشهد يغيّر كثيرًا من دلالته عند من يدرسون الرؤى؛ فليس كل ظهور للميت في مكان أخضر يحمل المعنى نفسه. إن كان الميت في الرؤيا مبتسمًا هادئًا يتجول بين الأشجار أو يجلس مستريحًا يرشف من ثمارها، فهذا أقرب إلى المعاني الطيبة التي ذكرها المعبرون من رضا وسكينة. أما إن كان صامتًا حزينًا أو يشير بيده وكأنه يطلب شيئًا وهو وسط تلك الخضرة، فقد يُقرأ ذلك على أنه تذكير للرائي بأن يكثر من الدعاء له والصدقة عنه، لا أنه إشارة إلى ضيق أو سوء حال.
وعلى النقيض من ذلك، إن رأى الرائي الميت في حديقة ذابلة الأشجار أو أرض جرداء تحيط بها الخضرة من بعيد دون أن يصلها، فبعض من يفسر الأحلام يرى في ذلك دعوة للرائي إلى المبادرة بالدعاء والصدقة الجارية عن الميت، لا أكثر من ذلك، إذ لا يجوز البناء على مثل هذا التفصيل أي حكم قاطع على حال الميت.
أما إذا رأت هذه الرؤيا فتاة غير متزوجة، فكثيرًا ما يميل من يتناول رؤى العزباء إلى ربط الخضرة والاتساع في المنام بانفراج قادم في حياتها، سواء تعلق الأمر بأمر تنتظره من رزق أو استقرار نفسي، خاصة إن كان الميت من أقاربها القريبين ورأته مبتسمًا يدعو لها بالخير وهي تسير معه بين الأشجار.
وإذا رأتها امرأة متزوجة، فالمعنى الغالب عند كثير ممن يكتبون في هذا الباب هو تجدد الاستقرار داخل بيتها وتحسّن في أحوال أسرتها، لا سيما إن رأت الميت يقدم لها من ثمار البستان، وهو ما يُقرأ أحيانًا إشارة إلى رزق يدخل البيت أو فرح قريب يشمل أهل الدار جميعًا.
أما الحامل فإن رؤيتها للميت مستريحًا في مكان أخضر يذهب كثير من المهتمين بتفسير رؤى الحمل إلى أنها بشارة بيسر في الولادة القادمة وسلامة لها ولجنينها بإذن الله، خصوصًا إن كان المشهد هادئًا خاليًا من أي توتر أو اضطراب في تفاصيله.
وبالنسبة للرجل، فقد تحمل هذه الرؤيا معنى مقاربًا لما سبق من راحة بال وانفراج في أمر كان يشغله، وقد يميل بعض المعبرين إلى ربطها بخير قادم في رزقه أو عمله إن كان الميت يظهر بمظهر السرور وهو محاط بالنماء والخضرة من حوله.
ومن أهم ما ينبغي الانتباه إليه عند محاولة فهم هذه الرؤيا هو حال الميت في المشهد لا مجرد المكان وحده: هل كان مبتسمًا أم عابسًا، هل كان يتحرك بحرية أم يبدو محتاجًا لشيء، وهل كانت الخضرة كثيفة زاهية أم شحيحة ذابلة؟ فكل هذه التفاصيل عند من يعتني بتفسير الرؤى تُقرأ مجتمعة لا منفردة، كما ينبغي التنبه إلى أن حال الرائي النفسي وقت الرؤيا وما يشغل باله من هموم قد يكون له أثر في تشكل تفاصيل الحلم.
وفي النهاية يبقى القول الفصل أن هذا كله اجتهاد بشري ظني قائم على قراءات واجتهادات أهل التعبير عبر العصور، وليس علمًا يقينيًا ولا وحيًا يُعتمد عليه، فلا تُبنى عليه قرارات مصيرية في حياة الرائي. ومن رأى مثل هذه الرؤيا فالأولى به أن يستقبلها بالدعاء لميته والصدقة عنه بدل الانشغال بتأويلها أو القلق منها، وأن يفوّض الأمر كله إلى الله عز وجل، فهو وحده العالم بحقيقة أحوال الأموات وما ينتظر كل نفس من جزاء.
