من أكثر الأحلام إيلاما لقلب الأب أو الأم أن يريا ابنهما أو ابنتهما قد مات في المنام، فيستيقظان في حالة من الرعب الشديد ولا يهدأ لهما بال حتى يطمئنا على طفلهما بأعينهما. والحقيقة التي يجدر بكل والد أو والدة أن يستحضراها أن هذا الحلم، مهما بلغت قسوته الظاهرة، لا يعامله جمهور المعبرين على أنه إخبار حرفي أو نذير حقيقي بوقوع مكروه.
فرؤية موت الابن أو الابنة وهما على قيد الحياة أقرب ما تكون إلى تعبير عن الحب الجارف والخوف الفطري الذي يسكن قلب كل والد تجاه أبنائه، فالخوف على الأبناء غريزة راسخة، والعقل الباطن كثيرا ما يجسد هذا الخوف في صورة أقسى صورة يمكن تخيلها وهي الموت، دون أن يعني هذا أن ثمة خطرا حقيقيا يتهدد الطفل في يقظته.
وقد أصّل المعبرون القدامى، ومنهم ابن سيرين، أصلا عاما في هذا الباب مفاده أن رؤية موت شخص حي، ما لم تظهر عليه علامات المرض الشديد، تدل على طول عمره وامتداد أجله، وذكر بعضهم أن رؤية موت الولد الحي تحديدا قد تشير أيضا إلى صلاح حاله وحسن مستقبله، أو إلى فرج قادم يتعلق بشأن من شؤونه كدراسته أو صحته أو رزقه إن كان كبيرا.
ومن الناحية النفسية، فإن هذا الحلم كثيرا ما يعكس قلق الوالدين الطبيعي على مستقبل أبنائهم، خاصة في مراحل حساسة كالمرض العابر أو بداية الدراسة أو السفر، وقد يكون أيضا تعبيرا عن شعور بالتقصير في حق الطفل، كقلة وقت قضاه معه الوالد المشغول، فيأتي الحلم كجرس تذكير لا كنذير شؤم، ويدفع صاحبه غالبا إلى مزيد من الاهتمام والحنان تجاه طفله. وقد يظهر هذا الحلم أيضا في فترات التغيير الكبيرة في حياة الطفل، كدخوله المدرسة لأول مرة أو انتقاله لمرحلة دراسية جديدة، حيث يشعر الوالد بقلق طبيعي تجاه هذه النقلة.
كما أشار بعض المعبرين إلى أن حالة الطفل في الحلم لها أثر في زاوية النظر، فإن رئي مبتسما أو في هيئة حسنة رغم موته فهذا يقوي معنى البشارة وصلاح حاله، أما إن رئي في حالة تشبه المرض أو المعاناة، فقد يكون ذلك أقرب لانعكاس قلق الوالد الصحي عليه، وهو ما يستحسن معه الإكثار من الرقية الشرعية والدعاء له بالحفظ والعافية دون الانسياق وراء الخوف. ومن المفيد التذكير بأن كثرة تكرار هذا الحلم لدى بعض الآباء والأمهات لا تعني بالضرورة تفاقم أي معنى سلبي، بل قد تكون فقط انعكاسا لطبيعتهم القلقة أصلا على أبنائهم في كل تفاصيل حياتهم.
وإذا رأت فتاة عزباء أن طفل أختها أو قريبتها مات وهو حي، أو تخيلت نفسها أما وفقدت طفلها في المنام، فإن هذا غالبا ما يعكس رغبتها في الأمومة أو مخاوفها الطبيعية من هذه المسؤولية الكبيرة القادمة في حياتها، ولا يحمل أي دلالة سلبية على واقعها الحالي أو مستقبلها، وقد يكون أيضا تعبيرا بسيطا عن تعلقها الشديد بأطفال أسرتها ممن تحبهم كأنهم أبناؤها.
أما المرأة المتزوجة التي ترى أن ابنها أو ابنتها مات في المنام وهو حي، فهذا الحلم يمس أعمق مخاوفها، وغالبا ما يفسر بأنه تعبير عن حبها الشديد له وحرصها الدائم على سلامته، وقد يشير أيضا إلى قلقها من قرار تربوي تقف أمامه بشأنه، كاختيار مدرسة له أو التعامل مع مرحلة عمرية جديدة يمر بها، وقد يدفعها هذا الحلم إلى مزيد من الحرص والدعاء له دون أن يكون فيه أي إنذار حقيقي.
وبالنسبة للحامل التي ترى طفلها الحالي يموت في المنام وهو حي، فإن كثيرا من المعبرين المعاصرين يذهبون إلى أن هذا الحلم يرتبط بانشغالها الطبيعي وتوزع اهتمامها بين طفلها الحالي والجنين القادم، وقد يحمل كذلك بشرى بحمل يمر بسلام وولادة ميسرة، دون أن يعني وقوع أي مكروه لطفلها الحالي أو لجنينها. وقد لاحظ بعض المعبرين المعاصرين أن هذا الحلم يتكرر كثيرا لدى الحوامل في الثلث الأخير من الحمل تحديدا، وربطوه بترقبها الشديد لموعد الولادة أكثر من ربطه بأي قلق حقيقي على طفلها.
أما الرجل الذي يرى ابنه أو ابنته يموت في المنام وهو حي، فغالبا ما يعبر هذا عن إحساسه العميق بالمسؤولية تجاه مستقبل أبنائه، وحرصه على توفير حياة كريمة لهم، وقد يعكس أيضا ضغوطا يعيشها في عمله يخشى أن تؤثر على وقته معهم، وهي مشاعر أبوة طبيعية أكثر منها نذيرا بأي سوء، وقد يجد نفسه بعد هذا الحلم أكثر حرصا على تخصيص وقت خاص لأبنائه رغم ضغوط عمله.
وتبقى تفاصيل الرؤيا، كعمر الطفل وهيئته وسبب وفاته في المنام، عناصر يراعيها من يميل إلى تأويل الأحلام دون أن تُبنى عليها أي قرارات مصيرية في أرض الواقع. وختاما فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، وليس علما يقينيا قاطعا يصح الجزم به، ولا تُبنى عليه أي قرارات مصيرية بأي حال من الأحوال. ولا يعني ما سبق بأي حال وقوع مكروه فعلي للطفل وهو حي يرزق، والأولى لكل والد أو والدة رأى هذا الحلم المؤلم أن يبادر إلى الدعاء لطفله بطول العمر والحفظ والعافية بدل الانشغال بالخوف والقلق.
