يرى بعض الناس في منامهم شخصا عزيزا عليهم يغرق في الماء حتى يموت، وهو مشهد يترك في النفس أثرا شديدا من القلق والانزعاج عند الاستيقاظ. ومن المهم منذ البداية أن يدرك من رأى هذا الحلم أن جمهور المعبرين لا يتعاملون معه على أنه إخبار حرفي بوقوع غرق فعلي أو موت حقيقي، بل ينظرون إلى الماء والغرق فيه بوصفهما رمزين لهما دلالات أوسع من ظاهر المشهد.
فالماء في تراث تفسير الأحلام كثيرا ما يرتبط بالحياة والرزق والمشاعر، والغرق فيه يرمز عند كثير ممن يتناول هذا الباب إلى الغرق في الهموم أو الانشغالات أو الضغوط النفسية والمادية، فرؤية شخص يغرق ويموت في المنام تفهم غالبا على أنها تعبير عن أزمة يمر بها ذلك الشخص أو يخشى الرائي أن يمر بها، لا عن خطر حقيقي يتهدد حياته في الماء. وتزداد قوة هذا الربط الرمزي حين يكون الرائي نفسه يمر بمرحلة يشعر فيها بالإرهاق أو التخبط في قرارات متعددة، فيستدعي عقله صورة الغرق لأنها أقرب تعبير حسي عن هذا الشعور الداخلي.
والأصل العام الذي قرره ابن سيرين وغيره في باب موت الأحياء، وهو أن موت الحي في المنام يدل على طول عمره ما لم يظهر عليه مرض، يبقى ساريا هنا أيضا من حيث الأصل، غير أن كتب التراث لم تخصص لصورة الغرق تحديدا كسبب للوفاة بابا مفصلا موثقا بالقدر نفسه الذي خصصته لعموم رؤية الموت، لذا فإن ربط تفاصيل الغرق بالهموم والضغوط تحديدا يبقى قراءة معاصرة مبنية على رمزية الماء المعروفة، لا نصا كلاسيكيا حرفيا منقولا عن المتقدمين. وهذا لا يقلل من قيمة القراءة المعاصرة بقدر ما يوضح للقارئ أن مصدرها اجتهاد قائم على الرمزية المعروفة للماء لا نص مسند بعينه.
ومن التفاصيل التي رجحها بعض من تناول هذا النوع من الأحلام أن نجاة الشخص من الغرق في آخر المشهد أو قبل اكتمال الموت تبشر بتجاوزه لأزمته أو توبته من أمر كان واقعا فيه، بينما اكتمال الغرق حتى الموت في الحلم قد يشير إلى تراكم الهموم على ذلك الشخص أو على الرائي نفسه إن كان قلقا بشأنه، دون أن يعني ذلك خطرا حقيقيا على حياته. وقد يكون مشهد المحاولة المستميتة للسباحة والنجاة قبل الغرق دلالة إضافية على أن ذلك الشخص، أو الرائي إن كان يخصه الأمر، لا يزال يقاوم أزمته بكل ما أوتي من قوة.
كما فرق بعضهم بين كون الماء الذي غرق فيه الشخص صافيا أو عكرا، وبين كونه بحرا هائجا أو نهرا هادئا، فالماء الصافي الهادئ الذي يغرق فيه الشخص قد يخفف من وطأة التأويل السلبي ويقربه من دلالة انفعال عاطفي عابر، بينما الماء العكر الهائج يقوي معنى الأزمة والضغط النفسي الشديد الذي يعيشه ذلك الشخص في واقعه، وهو تفصيل يستحسن ملاحظته عند محاولة فهم عمق الأزمة المرموز لها.
بالنسبة للفتاة العزباء التي ترى شخصا عزيزا عليها يغرق ويموت في المنام، فإن هذا الحلم غالبا ما يعكس قلقها الطبيعي على من تحب في خضم ضغوط يمرون بها، أو انعكاسا لمشاعرها الخاصة من الغرق في التزامات ومسؤوليات كثيرة تشعر أنها تفوق طاقتها في هذه المرحلة من حياتها، وقد يدفعها هذا الحلم للبحث عن طرق أكثر فعالية لتنظيم أولوياتها بدل الاستمرار في تحمل كل شيء دفعة واحدة.
أما المرأة المتزوجة فقد يعبر حلمها بغرق شخص عزيز عليها ووفاته عن شعورها بأنها أو أحد أفراد أسرتها يغرق في أعباء الحياة اليومية ومسؤوليات البيت، وقد يكون دافعا لها للبحث عن دعم أو مساعدة تخفف عنها بعض هذا الثقل بدل تحمله وحدها، فمشاركة الزوج أو الأهل جزءا من الأعباء ليس ضعفا بقدر ما هو حكمة عملية.
وإذا رأت الحامل شخصا يغرق ويموت في المنام، فقد يربط بعض المعبرين المعاصرين هذا الحلم بمخاوفها الطبيعية من تقلبات الحمل ومشاعرها المتضاربة في هذه المرحلة، وقد يعكس أيضا شعورها بالإرهاق أو الغرق في التحضيرات لقدوم مولودها، دون أن يحمل أي إنذار حقيقي بمكروه، وقد ينصح بعضهم الحامل التي يتكرر معها هذا الحلم بتخصيص وقت للراحة والاسترخاء بعيدا عن الانشغال المستمر.
وبالنسبة للرجل الذي يرى شخصا يغرق ويموت في منامه، فغالبا ما يشير هذا إلى إحساسه بأن ذلك الشخص، أو هو نفسه، يغرق في ديون أو التزامات مالية أو ضغوط عمل تفوق قدرته على التحمل، وهو حلم يدفعه غالبا للبحث عن حلول عملية بدل الاستسلام للقلق منه، وقد يكون خطوة أولى نحو مصارحة من يثق بهم بحجم الضغط الذي يعيشه بدل كتمانه وحده.
وتبقى تفاصيل الرؤيا، من نوع الماء وحال الشخص أثناء الغرق ورد فعل الرائي، عناصر يراعيها من يميل إلى تأويل الأحلام دون أن تصلح أساسا لأي قرار مصيري في الواقع. وختاما فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، وليس علما يقينيا قاطعا يصح الجزم به، ولا تُبنى عليه أي قرارات مصيرية بأي حال من الأحوال. ولا يعني ما سبق بأي حال وقوع مكروه فعلي للشخص الحي الذي رئي يغرق، والأولى لمن رأى هذا الحلم أن يبادر إلى الدعاء له بالسلامة وطول العمر بدل الانشغال بالقلق والتشاؤم.
