تُعد رؤية الكفن في المنام من أكثر الرؤى شيوعًا التي تثير القلق لدى من يراها، لما يرتبط به الكفن في الذهن من ارتباط مباشر ومباغت بالموت ومراسم الدفن، غير أن أهل التعبير ينظرون إليه من زاوية مختلفة تمامًا عما يتبادر للذهن، فيجعلون منه رمزًا للستر والصون وحسن السمعة أكثر مما يجعلونه نذيرًا بموت حقيقي أو مكروه واقع لا محالة. وهذا التباين بين المعنى الظاهري المخيف والمعنى الرمزي المطمئن هو ما يجعل هذا الباب من أكثر أبواب تفسير الأحلام حاجة إلى توضيح وتبسيط لمن لا يألفه.
فالكفن في اللغة الرمزية للأحلام يرتبط بفكرة الغطاء الذي يحفظ ويصون صاحبه من عيون الناس وألسنتهم، ولذلك يربطه كثير من المعبرين بالسمعة الطيبة والمكانة الرفيعة التي يحظى بها الرائي بين الناس، أو بالعلم والمعرفة التي يحملها ويُعرف بها، بعيدًا كل البعد عن دلالته الحرفية المرتبطة بالموت الفعلي كما يظن كثير من الناس للوهلة الأولى. وهذا الانتقال من دلالة القماش الذي يستر الجسد إلى دلالة الستر المعنوي هو ما يجعل هذه الرؤيا من أكثر رموز هذا الباب غنى بالمعاني.
ينسب إلى النابلسي أن رؤية الكفن في المنام تدل على أن الرائي ينعم بعلوم كثيرة وثقافة عالية في حياته يُعرف بها بين أقرانه، وأن الكفن الأبيض تحديدًا يدل على السمعة الحسنة والمكانة الرفيعة التي يصل إليها، بينما يرى بعض المعبرين أن الكفن الأخضر يبشّر صاحبه بسعة في الرزق وفرج بعد ضيق طال أمده. وذكر النابلسي أيضًا في كتابه المعروف تعطير الأنام في تعبير المنام تفصيلات أخرى حول ألوان الأكفان ودلالة كل لون منها على حال صاحبه في دينه ودنياه. أما ابن سيرين فقد ربط رؤية الرائي نفسه بالكفن بتفصيل دقيق يستحق التوقف عنده طويلاً.
فقد نُقل عن ابن سيرين أن من رأى نفسه في الكفن مغطى الوجه والقدمين دلت رؤياه على سلامة دينه واستقامة أمره، أما إن ظهرت رأسه أو رجلاه من الكفن فقد يشير ذلك إلى تقصير في جانبه الديني يحتاج إلى مراجعة وتدارك سريع. وهذا من أدق ما نُقل في هذا الباب، ويبين أن تفصيل هيئة الكفن له أثر كبير في المعنى المقصود، فضلاً عن لونه الذي يزيد المعنى وضوحًا كما مر في أقوال النابلسي آنفًا.
فالفتاة العزباء التي ترى كفنًا أبيض نظيفًا في منامها، فقد تكون الرؤيا بشارة بسمعة طيبة تحظى بها بين الناس ومحيطها الاجتماعي، أو بحدث قادم يستر لها أمرًا كانت قلقة منه ويصونها من كلام الناس، وليس فيها ما يدعو للخوف من مكروه على الإطلاق.
أما المرأة المتزوجة التي ترى الكفن في منامها، فقد يدل ذلك على ستر يحفظه الله لها في بيتها وحياتها الزوجية من كل سوء، أو على تجاوزها لمشكلة كانت تخشى أن تنكشف أمام الناس، خاصة إن كان الكفن نظيفًا أبيض اللون بلا لطخة.
وإذا رأت الحامل كفنًا أخضر في منامها، فهذه من الرؤى التي يستبشر بها كثير من المعبرين ويفرحون بذكرها، إذ يربطونها ببشارة بحمل ميسّر ورزق وفير يأتي مع مولودها الجديد، أما الكفن الأبيض فيدل عندهم على سمعة طيبة وسلامة تحيط بها وبجنينها طوال فترة حملها.
وبالنسبة للرجل الذي يرى نفسه يلبس كفنًا في المنام، فقد يدل ذلك على مكانة يناله بين الناس أو علم ينتفع به الكثيرون من حوله، وإن كان الكفن ملطخًا أو ممزقًا فقد يشير إلى حاجته لمراجعة بعض تصرفاته أو معاملاته مع من حوله من أقارب وشركاء في العمل أو الحياة.
ومن التفاصيل المهمة في هذه الرؤيا: لون الكفن ونظافته من عدمها، وهل غطى الجسد بالكامل أم كشف بعضه كالرأس أو القدمين، وهل كان الرائي هو صاحب الكفن أم يرى غيره فيه، فكل هذه العناصر تغيّر في دلالة الرؤيا تغييرًا واضحًا يستحق التمعن فيه. وكذلك رائحة الكفن إن ظهرت في المنام، فالرائحة الطيبة تعزز المعنى الإيجابي بينما الرائحة الكريهة قد تشير إلى أمر يحتاج الرائي لمعالجته بصدق مع نفسه.
وفي الختام، هذا اجتهاد بشري ظني وليس علمًا يقينيًا قطعيًا، لا تُبنى عليه قرارات مصيرية في حياة الرائي، وهذه الرؤيا لا تعني بحال حدوث موت فعلي على الإطلاق، فمن قلق منها فليستقبلها بالدعاء والتوكل على الله بدل الانشغال بالوسوسة والتشاؤم غير المبرر.
