كتابة الوصية في المنام من الرؤى التي ترتبط في الذهن مباشرة بفكرة الموت، فيظن كثيرون أن رؤيتها نذير سوء يستدعي القلق والانشغال، مع أن أغلب ما ورد في كتب التعبير يذهب إلى أنها رؤيا محمودة في عمومها، ترتبط بالتخطيط والحرص على الأمانة أكثر من ارتباطها بأجل قريب أو خبر مفزع ينتظر الرائي. بل إن الوصية في جوهرها فعل يقوم به الأصحاء العقلاء عادة، فلا معنى لربطها التلقائي بالمرض أو الموت الوشيك كما يفعل كثيرون دون تروٍّ.
فالوصية في حقيقتها فعل من أفعال الحكمة والتدبير، يقوم بها الإنسان وهو في كامل وعيه ليرتب أموره ويحفظ حقوق من حوله ويؤدي الأمانات إلى أهلها، ولذلك فإن رؤيتها في المنام كثيرًا ما تُقرأ على أنها انعكاس لحرص الرائي على تنظيم شؤون حياته، أو رغبته في ترك أثر طيب يُذكر به بعد رحيله، لا كإشارة إلى دنو أجله كما يظن كثيرون للوهلة الأولى دون تدبر. وقد يكون الحلم كذلك تعبيرًا عن نضج داخلي جديد يشعر به الرائي تجاه مسؤولياته التي كان يتهرب منها من قبل.
لم يرد نص صريح موثق عن ابن سيرين خاص بكتابة الوصية في المنام بعينها فيما نُقل من كتبه، وإنما تُستنبط معانيها عند أغلب المعبرين المعاصرين من الدلالة العامة لباب الوصية والأمانة في التراث الفقهي والاجتماعي، فيربطونها بالأمور المهمة التي يوليها الرائي عناية واهتمامًا في حياته، وبحرصه على أداء حقوق الآخرين كاملة، وهذا استنباط اجتهادي معاصر أكثر منه نقلاً موثقًا عن أئمة التعبير الأوائل، وهو ما تجدر الإشارة إليه بأمانة.
ومما ينبغي التنبه له أن تفصيل الرؤيا يغيّر كثيرًا من معناها: فمن رأى نفسه يكتب وصيته بنفسه يختلف حاله عمن رأى غيره يكتب له وصية أو يوصيه بأمر معين، كما أن هدوء المشهد أو اضطرابه، ووضوح ما يُكتب فيها من غموضه وإبهامه، كل ذلك يضيف تفصيلاً دقيقًا لا يصح إغفاله عند محاولة فهم المعنى المقصود من هذه الرؤيا بالذات.
فالفتاة العزباء التي ترى نفسها تكتب وصية، قد تكون الرؤيا انعكاسًا لشعورها بمسؤولية جديدة تجاه نفسها أو أسرتها، أو رغبة داخلية في ترتيب أولوياتها قبل مرحلة مقبلة في حياتها كالزواج أو تغيير مسارها العملي، وليس فيها ما يدعو للقلق على صحتها أو عمرها بأي حال.
أما المرأة المتزوجة التي ترى نفسها تكتب وصية لأبنائها، فقد تعكس هذه الرؤيا إحساسًا بالمسؤولية تجاه أسرتها وحرصها الشديد على مستقبلهم، وقد تدل أحيانًا على قلق داخلي من التقصير في حقهم أو الخوف من مرض يصيبها، وهو أمر تستحسن معالجته بمزيد من الاطمئنان لا بالانشغال بالخوف من الرؤيا نفسها.
وإذا رأت الحامل أن زوجها يكتب لها وصية أو أنها هي من تكتبها، فقد يفسر ذلك عند بعض المعبرين ببشارات قادمة تتعلق بحملها ومولودها، وحرص زوجها أو حرصها هي على تأمين مستقبل أسرتها الجديدة المقبلة، وليس فيها ما يوجب القلق على سلامة الحمل أو الجنين.
وبالنسبة للرجل الذي يرى نفسه يكتب وصية ويوصي من حوله بأمر ما، فقد يدل ذلك على نجاح يناله في مسعاه أو استقرار يصل إليه في حياته الأسرية والعملية، إذ يربط بعض المعبرين هذه الرؤيا بحسن تدبير الرجل لشؤون بيته وثقته العالية بمن حوله من أهله وشركائه. وقد تكون الرؤيا أيضًا انعكاسًا لرغبته في أن يُذكر بالخير بين أهله وأصدقائه بعد أن يمضي زمن طويل من عمره.
ومن التفاصيل التي تستحق الوقوف عندها: مضمون الوصية إن ظهر بوضوح في المنام، والشعور المصاحب لكتابتها من طمأنينة أو توتر، والشخص الموجَّهة إليه الوصية وعلاقته بالرائي، فكل هذه العناصر تُثري فهم الرائي لرؤياه أكثر من الاكتفاء بالمعنى العام المجرد دون تفصيل. ومن المفيد أيضًا ملاحظة هل كانت الوصية مكتملة واضحة أم توقف الرائي عن إكمالها في المنام، فهذا قد يشير إلى قرار لا يزال معلقًا في حياته الواقعية بانتظار الحسم.
وأخيرًا، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني وليس علمًا يقينيًا، لا تُبنى عليه قرارات مصيرية، وكتابة الوصية في المنام لا تعني بحال حدوث موت فعلي أو اقترابه، فمن قلق من هذه الرؤيا فليستقبلها بالدعاء والتوكل على الله بدل الانشغال بالوسوسة والتشاؤم الذي لا أساس له من الصحة.
