من المشاهد اللافتة في عالم الأحلام أن يرى النائم ناراً يشتعل لهبها بلون أزرق غير مألوف، بدلاً من الأحمر أو البرتقالي المعتاد، فتثير هذه الرؤية في نفسه شيئاً من الغرابة والتساؤل عن معناها. وقبل الخوض في التأويل، من المهم التنبيه إلى أن اختلاف لون النار في الحلم لا يعني بالضرورة حدثاً خارقاً أو نذيراً حتمياً، فالأحلام تصوغ رموزها أحياناً بطريقة غير مألوفة تحاكي انطباعات النفس الداخلية أكثر مما تحاكي الواقع المادي، وتفسيرها يبقى اجتهاداً ظنياً لا قطعياً.
وإذا كانت النار في عمومها ترمز إلى الفتنة أو الغضب أو الاختبار أو حتى التطهير، فإن تغير لونها إلى الأزرق يضيف بعداً آخر عند كثير من المعبرين، إذ يربطون اللون الأزرق غالباً بالهدوء والسكينة والعمق، فتصبح النار الزرقاء عندهم رمزاً لصراع داخلي هادئ لا صاخب، أو لمشاعر مكتومة لا تظهر للعلن رغم شدتها، وقد يراها البعض إشارة إلى نوع خاص من الحرقة العاطفية أو الفكرية التي يعيشها الرائي بصمت، بعيداً عن ضجيج الغضب الظاهر الذي ترمز إليه النار الحمراء المعتادة.
وقد ذهب بعض من نُسب إليهم علم التعبير إلى أن اختلاف ألوان النار في المنام يشير إلى اختلاف مصادر الهمّ أو الفتنة، فالنار الحمراء تدل عندهم على الغضب والخصومة الظاهرة، بينما اللون الأزرق أو الأخضر قد يوحي بأمر أهدأ وأعمق أثراً، وإن كان بعض المعبرين يميل إلى اعتبار الألوان غير المعتادة للنار إشارة إلى أمور غريبة أو غير مألوفة تطرأ على حياة الرائي، سواء كانت خيراً غير متوقع أو تحدياً جديداً لم يعتد عليه من قبل، وهذا التفاوت في الآراء يستدعي التعامل مع الرمز بحذر وعدم الجزم بمعنى واحد.
ويبقى السياق العام للرؤيا هو الفيصل في ضبط المعنى، فهل شعر الرائي بالخوف من هذه النار الزرقاء أم بالفضول والانبهار؟ وهل كانت النار كبيرة تحيط بمكان واسع أم مجرد شعلة صغيرة هادئة؟ وهل حاول الرائي الاقتراب منها أم الابتعاد عنها؟ فكل هذه التفاصيل تصنع فارقاً كبيراً، إذ إن مشاعر الانبهار والهدوء أثناء الرؤيا قد تحول المعنى إلى ما يشبه اكتشاف الذات أو فهم جانب خفي من النفس، بينما يحول الخوف والهلع المعنى إلى تحذير من أمر مقلق يحتاج تنبهاً.
وإن رآها شاب في بداية مشواره العملي أو الدراسي فقد تشير إلى شغف داخلي هادئ يحمله نحو مجال معين لم يفصح عنه بعد، وإن رأتها فتاة غير متزوجة فربما دلت على مشاعر عاطفية عميقة تخفيها عن محيطها، وإن رآها رجل متزوج فقد تعبر عن أفكار أو هموم يحملها في صمت دون أن يشارك بها من حوله، أما إن رآها شخص يمر بحالة توتر نفسي فربما كانت تذكيراً بضرورة البوح والتفريغ بدلاً من كتمان المشاعر.
ومن الجوانب الدقيقة التي تستحق التأمل شدة توهج اللون الأزرق، فكلما كان اللهب صافياً هادئاً دل على صفاء داخلي رغم وجود الحرقة، وكلما كان مشوباً بدخان كثيف دل على تشوش في المشاعر يحتاج إلى وضوح وترتيب، كما يفرّق بعض المعبرين بين النار الزرقاء التي تصدر عن مصدر معروف كموقد أو شمعة، وتلك التي تشتعل فجأة دون سبب ظاهر، فالأخيرة تحمل عندهم دلالة أقوى على أمر مفاجئ قادم.
ومما يُلحظ أيضاً أن كثيراً ممن يرون النار الزرقاء في منامهم يكونون أشخاصاً يعملون في مجالات إبداعية أو فكرية، الأمر الذي يدفع بعض المعبرين المعاصرين إلى ربط هذا اللون تحديداً بجذوة الإبداع والتأمل العميق، فكأن النفس تستعير صورة النار غير المألوفة لتعبر عن طاقة كامنة تبحث عن منفذ للتعبير، ولربما جاءت هذه الرؤيا في مرحلة يشعر فيها الرائي بأنه يحمل أفكاراً أو مشاعر تحتاج إلى مساحة للانطلاق بعيداً عن قيود المألوف من حوله. وكذلك فإن رؤية أكثر من شخص حول النار الزرقاء دون أن يشعروا جميعاً بغرابتها كما شعر بها الرائي وحده، قد تشير إلى تفرّده بإدراك أو شعور لا يشاركه فيه من حوله في تلك اللحظة من حياته.
وقد يرى بعض الناس النار الزرقاء وهي تحيط بشيء عزيز عليهم دون أن تلحق به أذى ظاهراً، فيكون ذلك أقرب إلى الحماية الخفية من التهديد، إذ يفرّق بعض المعبرين بين النار التي تحرق وتلك التي تحيط فقط دون أن تمسّ الشيء المطوّق بها، فالأخيرة تحمل غالباً بشرى بصون الرائي لما يعتز به رغم الظروف المحيطة الصعبة.
وفي كل الأحوال، يبقى الأصل أن هذا كله تأويل بشري ظني عرضة للخطأ والصواب، لا ينبغي التعويل عليه في اتخاذ قرار أو بناء موقف تجاه الحياة، فمرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، والأولى بالرائي أن يستعيذ بالله من شر ما يقلقه، ويكثر من حسن الظن بربه، ويشغل قلبه بالذكر والدعاء بدلاً من الانشغال المفرط بتفسير رمز قد يحتمل أكثر من وجه.
