تُعد النار من أكثر عناصر الأحلام تعقيدًا في التفسير، لأن جمهور من كتبوا في هذا الباب لم يحملوها على معنى واحد، بل جعلوا دلالتها تتأرجح بين الخير والشر بحسب حال النار نفسها وموضعها وحال الرائي. فقد ورد عن ابن سيرين أن النار قد تُذكِّر بعذاب الآخرة إن كان الرائي مقيمًا على معصية يعلم في قرارة نفسه أنه مقصر فيها، بينما قد تحمل في مواضع أخرى دلالات طيبة كالرزق والمال والسلطان والجاه، فليست النار في حد ذاتها علامة سيئة دائمًا، بل الأصل عند كثير من المفسرين أن يُنظر إلى تفاصيل حضورها في الحلم قبل الحكم عليها.
ومن الفروق المهمة التي يذكرها من كتبوا في هذا التراث التفريق بين النار النافعة، كنار الفرن أو نار التدفئة التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، وبين النار المتأججة ذات اللهب العالي والدخان الكثيف والصوت المرتفع. فالأولى تُقرأ غالبًا على أنها أمان واستقرار ودفء في حياة الرائي، أما الثانية فتُحمل على معاني أثقل كالفتنة بين الناس أو الخصام الشديد، وكلما ارتفع الدخان وعلا اللهيب واشتد الصوت، كانت دلالتها عند بعض المفسرين أقرب إلى فتنة أو محنة تصيب جماعة من الناس لا الرائي وحده.
ويُنسب إلى النابلسي وصف جامع للنار في المنام بأنها تحمل معاني متعددة: بشارة وإنذار معًا، وحرب وعذاب، وسلطان وحبس، وخسارة وذنوب، وأحيانًا بركة، وأن حسم أي هذه المعاني هو الأقرب يعتمد على تفاصيل الرؤيا وسياقها. كما يُذكر عنه أن النار الخالية من الدخان تدل على سلطان عادل أو علم نافع ينتفع به الرائي أو غيره، وأن من رأى نفسه يطفئ نارًا مشتعلة دون أن يصيبه أذى فتلك بشارة بخبر سار أو أمر طيب قادم، بل إن من رأى نفسه يدخل نارًا شديدة دون أن تحرقه نسب إليه فيه قول إنها إشارة إلى مكانة طيبة له عند ربه.
وفي حق الفتاة غير المتزوجة، شاع في كتابات المفسرين المعاصرين أن اشتعال النار في حلمها، إن لم يصاحبه شعور بالخوف أو الأذى، قد يدل على قرب زواجها أو سعادة تنتظرها، بينما إن رأت النار تندلع في منزلها بشكل مخيف فقد يُقرأ ذلك على أنه تعبير عن تعب أو جهد كبير تبذله في حياتها الواقعية أكثر منه نذيرًا بمكروه حقيقي. أما المرأة الحامل فقد ربط بعض المفسرين رؤيتها للنار وهي تخرج بهدوء من نوافذ بيتها بمستقبل طفلها ومكانته، بينما إن كانت النار شديدة الاشتعال وتحرق البيت في الحلم فقد حُملت أحيانًا على انعكاس لمشقة جسدية تمر بها الحامل في فترة حملها، لا على تنبؤ حقيقي بأذى قادم.
أما المرأة المتزوجة فتختلف القراءات في حقها بحسب حال النار في الحلم؛ فإن كانت النار تشتعل دون لهب قوي أو توهج شديد، فقد فسّر بعضهم ذلك بأنه إشارة إلى حمل قادم بإذن الله، بينما إن كانت مشتعلة بشدة ولهيب عالٍ فقد قُرئت على أنها انعكاس لخلاف زوجي أو غيرة تشتعل بينها وبين شريك حياتها، وهي من الحالات التي تُظهر بوضوح كيف أن تفاصيل صغيرة في الحلم، كقوة النار أو هدوئها، تُغيّر التفسير كليًا عند من يشتغلون بهذا العلم.
ومن التفصيلات التي تُنسب إلى ابن شاهين في هذا الباب أن رؤية الاحتراق بالنار دون هلاك قد تدل على نيل الرائي منصبًا أو مكانة جديدة، وأن اشتعال النار في السلع والبضائع يدل عنده على غلاء أسعارها وربما انتشار ضيق معيشي في البلاد، بينما يرى أن إخماد النار بعد اشتعالها دلالة واضحة على انتهاء أزمة كان يعيشها الرائي وزوال حزن طال أمده واقتراب الفرج بعد الشدة.
وفي النهاية، يبقى الأصل الذي ينبغي ألا يغيب عن بال قارئ هذه التفسيرات أن علم تعبير الرؤى علم ظني قائم على اجتهاد أهله وتجربتهم عبر القرون، لا علم يقيني قاطع، وأن حقيقة ما وراء أي رؤيا لا يعلمها إلا الله وحده. فمن رأى ما يسرّه حمد الله وتفاءل خيرًا، ومن رأى ما يكرهه، كنار مخيفة، لم يحدّث به أحدًا واستعاذ بالله من شرها ونام على جنبه الآخر، ولا يصح بحال أن يُقدم أحد على قرار كبير في حياته أو يُصاب بقلق حقيقي اعتمادًا فقط على تفسير حلم رآه عن النار.
