من أشد مشاهد النار وطأة على النفس أن يرى الرائي نفسه يحترق فعلياً وكأنه يعاقب على ذنب أو خطأ ارتكبه، فيستيقظ فزعاً مرتجف القلب، خائفاً من دلالة هذا المشهد المخيف. ومن الضروري جداً هنا أن يُطمأن كل من رأى هذا المنام بأن هذا رمز نفسي داخلي يعكس تأنيب ضمير أو شعوراً بالذنب، وليس إخباراً حقيقياً بعذاب فعلي ينتظره، فعلم الغيب وأمور الآخرة الحقيقية لا يكشفها منام مهما بدا شديد الوقع على النفس.
واحتراق الرائي نفسه في المنام كعقاب يرمز في الغالب إلى شعور داخلي بالذنب أو التقصير تجاه أمر يعرفه الرائي جيداً في نفسه، سواء كان ذنباً دينياً أو تقصيراً في حق شخص أو مسؤولية أهملها. وهذا النوع من الأحلام كثيراً ما يأتي في أعقاب فترة من المراجعة الذاتية أو الشعور بالندم، وكأن العقل الباطن يجسد ذلك الشعور الداخلي في صورة عقاب مرئي واضح المعالم لتوصيل رسالته بشكل أقوى.
نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى نفسه يعذّب بالنار في المنام فذلك قد يدل على ذنب يستوجب توبة سريعة، وأن هذا المشهد وإن كان مزعجاً إلا أنه يحمل في طياته دعوة للإصلاح أكثر من كونه حكماً نهائياً على صاحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن نجاة الرائي من العذاب قبل انتهاء الحلم أو استيقاظه منه تحمل بشارة بقبول توبته إن صدق في العودة إلى ربه، وأن هذا النوع من الرؤى يُقصد به التنبيه لا التيئيس من رحمة الله الواسعة.
ويتوقف المعنى على شعور الرائي أثناء هذا العذاب المتخيل؛ فإن كان مصحوباً بندم صادق ورغبة في التوبة فذلك يعزز دلالة الدعوة للإصلاح، وإن كان مصحوباً بيأس تام فقد يحتاج الرائي لتذكير نفسه برحمة الله الواسعة التي تسبق غضبه. كذلك مدة استمرار هذا المشهد في الحلم، فكلما كان قصيراً ثم انتهى بنجاة أو استيقاظ كان أقرب لتحذير عابر، وكلما طال كان أقرب لتعبير عن ثقل الشعور بالذنب في نفس الرائي.
للفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى شعورها بالذنب تجاه تقصير في حق والديها أو نفسها تحتاج معالجته بالتوبة والإصلاح. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تأنيب ضمير تجاه تقصير في حق زوجها أو أولادها تشعر بثقله عليها. وللرجل قد يدل على شعوره بالذنب تجاه تصرف مالي أو أخلاقي يعلم في نفسه أنه يحتاج تصحيحاً. وللمريض قد يعكس مراجعة ذاتية عميقة يقوم بها أثناء مرضه لحياته وأعماله الماضية. وللحامل قد يرمز إلى حساسيتها الروحية المتزايدة في هذه المرحلة ورغبتها في التطهر استعداداً لدور الأمومة.
ومن التفاصيل المهمة ملاحظة هل يشعر الرائي بألم حقيقي في الحلم أم مجرد مشهد بصري دون إحساس فعلي بالحرق، فالإحساس الفعلي بالألم يعكس ثقل الشعور الداخلي بالذنب، بينما المشهد البصري المجرد قد يكون مجرد تحذير خفيف. كذلك وجود من يساعد الرائي على الخروج من ذلك العذاب في الحلم يدل على وجود عون حقيقي في واقعه يعينه على تجاوز أزمته الداخلية.
ومن يرى هذا الحلم بعد ارتكابه لمعصية يعلمها هو وحده دون أن يطّلع عليها أحد، فإن هذا المشهد كثيراً ما يكون صوتاً داخلياً صادقاً يدعوه للمبادرة بالتوبة قبل أن يتضخم أثر الذنب في نفسه أكثر فأكثر. وللشاب الذي يشعر بتقصير تجاه بر والديه تحديداً، فقد يرمز هذا الحلم إلى ثقل هذا التقصير في وجدانه، وحاجته لمبادرة عملية سريعة كزيارتهما أو الاعتذار إليهما أو الدعاء لهما بإلحاح، فبر الوالدين من أعظم أبواب التكفير عن التقصير الذي قد يشعر به الإنسان تجاههما.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يجوز اتخاذه دليلاً على مصير حقيقي في الآخرة، فذلك علمه عند الله وحده سبحانه، وباب التوبة مفتوح ما دام العبد حياً. فليبادر الرائي بالتوبة الصادقة إن شعر بذنب حقيقي، وليكثر من الاستغفار والدعاء، وليحسن الظن بربه الرحيم الغفور الذي يقبل توبة عباده ويفرح بأوبتهم إليه.
ومن المهم التفريق هنا بين الشعور الصحي بالذنب الذي يدفع صاحبه للإصلاح والتوبة، وبين اليأس المَرَضي الذي يشل الإنسان عن أي تقدم ويوقعه في قنوط لا يليق بمسلم يعلم سعة رحمة ربه. فإن كان هذا الحلم يتكرر مصحوباً بشعور دائم بالذنب يعيق الرائي عن ممارسة حياته الطبيعية، فقد يكون من المفيد مراجعة شيخ أو عالم موثوق للتحدث عن مصدر هذا الشعور والاطمئنان على سلامة الفهم الديني المرتبط به، فقد يكون الأمر مجرد وسوسة تحتاج علاجاً شرعياً ونفسياً مناسباً لا مجرد تفسير حلم عابر. والأصل أن يبقى المؤمن بين الخوف والرجاء، لا ميالاً كلياً لأحدهما على حساب الآخر.
