يرى كثير من الناس في منامهم أنهم يقفون في مواجهة النار المشتعلة ويعملون جاهدين على إخمادها بأيديهم، سواء بالماء أو بأي وسيلة أخرى، حتى تنطفئ تماماً بفعلهم المباشر. وهذا المشهد يبعث في النفس شعوراً بالإنجاز رغم صعوبة الموقف، ولا بد من التذكير بأن هذه رؤيا رمزية تحتمل التأويل، وليست وصفاً حرفياً لحادثة ستقع، فعلم التعبير قائم على الظن والاستنباط لا على القطع واليقين.
وتحمل رؤية إخماد النار بالنفس دلالة إيجابية غالباً، إذ ترمز إلى قدرة الرائي على مواجهة الأزمات التي تعترض طريقه والتغلب عليها بجهده الخاص، وقد تشير إلى نجاحه في إخماد فتنة أو خصومة كانت تهدد استقرار حياته، أو إلى تمكنه من كبح غضبه وضبط انفعالاته في موقف عصيب. كما يمكن أن ترمز إلى تجاوز اختبار صعب بحكمة وصبر، فتكون النار هنا رمزاً للمحنة التي يواجهها الإنسان بيده لا بالاستسلام لها.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن من رأى أنه أطفأ النار بنفسه فإن ذلك يدل على أنه سيتغلب على خصمه أو يفض نزاعاً كان قائماً بحكمته وتدبيره، وذهب النابلسي في بعض ما رُوي عنه إلى أن إخماد الحريق قد يبشر بزوال هم كان يثقل صدر الرائي، وأن سرعة إخمادها تدل على سرعة انفراج الأزمة، بينما بطء إخمادها قد يشير إلى أن الحل سيستغرق وقتاً وجهداً أكبر. وتبقى هذه الأقوال اجتهادات ظنية تحتمل الصواب والخطأ.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب الوسيلة التي استخدمها الرائي في الإخماد، فالماء يحمل دلالة مختلفة عن الرمل أو أي مادة أخرى، كما يختلف الأمر بحسب مدى الجهد الذي بذله، هل أخمدها بسهولة أم كافح طويلاً قبل أن تنطفئ، وهل ساعده أحد في ذلك أم أنجز الأمر بمفرده تماماً، فكل هذه التفاصيل تعين على تدقيق المعنى المستخلص من الحلم.
فبالنسبة للرجل، فقد تدل هذه الرؤيا على نجاحه في حل مشكلة عملية أو أسرية بحكمته الشخصية، وقد ترمز إلى تمكنه من كسب معركة كان يخوضها بمفرده. أما المرأة فقد تشير إلى قدرتها على تهدئة خلاف أسري أو ضبط أمور بيتها في وقت أزمة. وإذا رآها شاب يسعى لتحقيق هدف، فقد تبشر بتغلبه على العقبات التي تحول دون وصوله لمبتغاه بعزيمته الخاصة دون انتظار عون من غيره.
ومن التفاصيل التي تستحق الوقوف عندها معرفة حجم النار التي أخمدها، هل كانت صغيرة يسيرة أم كبيرة عاتية، وهل تركت آثاراً بعد إخمادها كالدخان أو الرماد أم زالت دون أثر، وهل عاودت الاشتعال بعد إخمادها أم انطفأت تماماً، فكل ذلك يعكس مدى استقرار الحل الذي توصل إليه الرائي في واقعه ومدى احتمال عودة المشكلة من جديد.
وفي الختام، ينبغي أن يستقر في ذهن الرائي أن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى درجة اليقين القاطع، فلا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حاسم في الحياة، بل الأولى أن يشكر الرائي ربه على ما رآه من خير، وأن يستعيذ بالله من كل شر، محسناً ظنه به سبحانه في كل أحواله، فعلم الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له.
وإذا رأى القائد أو المسؤول عن فريق عمل أنه يخمد حريقاً بنفسه، فقد يرمز ذلك إلى نجاحه في احتواء أزمة داخل فريقه بحكمته وحضوره القوي، مما يعزز ثقة من حوله به. أما الأب الذي يرى نفسه يطفئ ناراً في بيته، فقد تشير الرؤيا إلى نجاحه في حل خلاف بين أبنائه بحنكة ودون تصعيد. ومن الملاحظ أن مثل هذه الرؤى غالباً ما تراود من يتحمل بطبعه مسؤوليات كبيرة تجاه الآخرين، فهي انعكاس لشخصيته المعتادة على حل المشكلات بنفسه بدلاً من انتظار تدخل الغير، وهذا النمط من الشخصية، وإن كان محموداً في كثير من الأحيان، يستحق منه أحياناً أن يسمح لنفسه بطلب العون من غيره دون أن يشعر بالتقصير.
وتستحق هذه الرؤيا أن تكون مصدر تشجيع للرائي على الوثوق أكثر بقدراته الذاتية في أوقات الأزمات، فكثير من الناس يميلون إلى التهويل من حجم مشكلاتهم قبل أن يواجهوها فعلياً، بينما تثبت التجربة أن الإنسان يملك من الموارد الداخلية أكثر مما يتصور. وهذه الرؤيا في جوهرها احتفاء بهذه القدرة الكامنة، وتذكير بأن أغلب الحرائق التي نخشاها في حياتنا يمكن إخمادها بالهدوء والتفكير السليم قبل أن تستفحل.
وتنبغي الإشارة إلى أن هذه الرؤيا قد تحمل أيضاً دلالة على قدرة الرائي على التعلم من أخطائه السابقة وتصحيح مسارها بنفسه دون حاجة لتدخل خارجي متكرر، وهذا نضج يُحسب له في تعامله مع تحديات الحياة المختلفة.
