من الرؤى الغريبة التي يذكرها بعض النائمين أنهم يشعرون في منامهم بحرارة شديدة تحيط بهم، أو تلامس أجسادهم، دون أن يروا مصدراً واضحاً لهذه الحرارة من نار أو لهب، فيستيقظون وهم يتصببون عرقاً أحياناً دون أن يتذكروا مشهداً بصرياً محدداً للنار نفسها. وهذا النوع من الأحلام الحسية أكثر من كونه بصرياً يحمل دلالات خاصة تختلف قليلاً عن رؤية النار المشتعلة بوضوح، ويبقى بطبيعة الحال خاضعاً لقاعدة أن التفسير ظني اجتهادي لا يقيني.
والشعور بالحرارة دون رؤية مصدرها في عالم الرموز يوحي غالباً بوجود توتر أو قلق كامن في نفس الرائي، له تأثير واضح عليه لكنه لم يتبلور بعد في صورة واضحة المعالم، تماماً كما لم تتبلور النار في مشهد مرئي محدد. وقد يشير أيضاً إلى ضغط خارجي يشعر به الرائي من محيطه أو من ظروف حياته العامة، دون أن يستطيع تحديد مصدره بدقة، وهذا بحد ذاته رسالة تستحق التأمل الداخلي لمحاولة تحديد أصل هذا التوتر في يقظته.
وقد ذهب بعض من نقل عن ابن سيرين إلى أن الإحساس بحرارة النار دون مشاهدتها قد يدل على همّ يخفيه الرائي عن نفسه أو عن الآخرين، وأن غياب مصدر النار الواضح يشير إلى أن الرائي نفسه لم يحدد بعد مصدر قلقه الحقيقي. وذهب بعض من نقل عن النابلسي إلى أن هذا النوع من الأحاسيس في المنام قد يرتبط بحالة جسدية أو نفسية يمر بها الرائي في يقظته، كارتفاع حرارة الجسم أو التوتر العصبي، فتتحول هذه الحالة الجسدية إلى صورة حلمية غير مكتملة المعالم. وتبقى هذه الآراء اجتهادات ظنية متعددة الأوجه.
ويتفاوت المعنى بحسب شدة الحرارة المحسوسة ومكانها من الجسد، فإن كانت الحرارة في الصدر أو القلب فقد ترتبط بضيق نفسي أو حزن كامن، وإن كانت في اليدين فقد ترتبط بعمل أو مسؤولية تثقل كاهل الرائي، وإن كانت تحيط بالجسد كله فقد تشير إلى ضغط عام شامل في حياته. كذلك فإن استمرار هذا الشعور طوال الحلم أو زواله تدريجياً يعطي إشارة إلى ما إذا كان هذا التوتر مستمراً أو في طريقه للزوال قريباً.
فإذا شعر الرجل بهذه الحرارة في منامه، فقد يعكس ذلك ضغط عمل متراكم أو مسؤوليات مالية تثقل كاهله دون أن يجد متنفساً واضحاً للتعبير عنها، وقد تكون الرؤيا دعوة له للبحث عن سبب توتره الحقيقي بدل تجاهله.
أما المرأة فقد يرتبط هذا الشعور بأعباء منزلية أو أسرية متراكمة، تشعر بثقلها دون أن تستطيع دائماً تحديد مصدرها بوضوح، وتستدعي الرؤيا منها أخذ قسط من الراحة ومحاولة تفريغ هذا الضغط بالحديث مع من تثق بهم.
وإن رأت هذا الحلم امرأة حامل، فقد يرتبط الأمر بتغيرات جسدية وهرمونية طبيعية مصاحبة للحمل، أو بقلق فطري تجاه المستقبل القريب واستعدادها لاستقبال مولودها، وهو أمر طبيعي لا يستدعي قلقاً زائداً عن حده.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل صاحب هذا الشعور بالحرارة قلق أو خوف واضح أم كان مجرد إحساس عابر دون انفعال؟ فالانفعال الشديد يرجح كفة التوتر النفسي في التفسير، بينما الإحساس الهادئ قد يكون مجرد انعكاس لحالة جسدية بسيطة كارتفاع درجة حرارة الغرفة أثناء النوم، وهو تفسير فسيولوجي بسيط لا يستدعي تحليلاً رمزياً عميقاً في كثير من الأحيان.
ومن الناحية العملية، يُنصح من يتكرر معه هذا الشعور بالتحقق أولاً من الأسباب الفسيولوجية البسيطة، كدرجة حرارة الغرفة أو سماكة الأغطية المستخدمة أثناء النوم، فكثير من هذه الأحلام لا تعدو كونها استجابة جسدية مباشرة لظرف بيئي عابر لا يستحق تحليلاً نفسياً عميقاً. أما إن استمر الشعور رغم اعتدال الظروف المحيطة، فقد يكون من المفيد للرائي أن يخصص وقتاً في يقظته لتحديد مصادر التوتر الرئيسية في حياته كتابياً، فكتابة الأفكار المقلقة غالباً ما تساعد على تفريغها وتقليل تكرار مثل هذه الأحلام غير المكتملة الملامح في المستقبل القريب.
ومن الجدير بالذكر أن بعض الباحثين في علم النفس يربطون هذا النوع من الأحاسيس الحلمية بمرحلة انتقالية بين مراحل النوم، حيث يكون الوعي الجزئي حاضراً بما يكفي لتسجيل إحساس جسدي دون تشكيل صورة بصرية كاملة، وهو تفسير علمي بحت لا يتعارض مع التأويل الرمزي بل يكمله من زاوية مختلفة تماماً.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً، وأقرب ما يوصى به لمن يتكرر معه هذا الشعور أن يتفقد صحته الجسدية أولاً، ثم يتعوذ بالله من شر ما يزعجه في نومه، ويحسن الظن بربه، فالغيب بتفاصيله كلها بيد الله وحده لا يشاركه فيه أحد.
