من الرؤى التي تترك أثراً عميقاً في نفس الرائي أن يبصر في منامه ألسنة النار وهي تلتهم مسجداً من المساجد، سواء كان مسجد حيه أو مسجداً لا يعرفه، فتتصاعد الأدخنة وتتعالى الألسنة المشتعلة بين الجدران والأعمدة. وهذه الرؤيا وإن كانت من الرؤى التي تثير القلق والانزعاج لما يحمله المسجد من قداسة في نفس كل مسلم، إلا أنه ينبغي التأكيد منذ البداية على أن تفسير الأحلام علم ظني قائم على الرمز والإشارة، وليس إخباراً حقيقياً عن وقوع حريق فعلي أو خطر واقعي يهدد بيوت الله، فلا ينبغي أن يحمل الرائي همّاً زائداً أو يبني على رؤياه قراراً أو تصرفاً في يقظته.
وترتبط النار في عالم الرؤى بدلالات متعددة تتباين بحسب سياق الحلم وتفاصيله، فقد تشير إلى الفتنة التي تشتعل بين الناس فتحرق أواصر المودة، أو إلى الغضب الذي يستعر في الصدور حتى يعمي البصيرة، وقد تكون رمزاً لاختبار وابتلاء يمر به الرائي أو من حوله فيمحّص الله به الصفوف كما تُمحَّص المعادن بالنار، وقد تحمل في أحيان أخرى معنى التطهير والتخلص من شائبة أو ذنب كان يثقل كاهل صاحبها، فالنار كما تحرق قد تُطهّر. ولأن الحريق هنا وقع في مكان عبادة، فإن كثيراً من المعبّرين يميلون إلى ربطه بما يمسّ الجانب الديني للجماعة، كتفرق كلمة أهل الحي، أو نزاع يشقّ صف المصلين، أو ضعف يعتري الهمة في إقامة الشعائر، وقد يكون في المقابل إشارة إلى انتشار العلم النافع الذي يضيء القلوب كما تضيء النار الظلام، فيما يُعرف عند بعض المعبرين بنار العلم التي لا تحرق بل تهدي.
وقد نُسب إلى ابن سيرين رحمه الله أن النار في المنام تدل على سلطان جائر أو فتنة تقع بين الناس، وأن احتراق المكان المقدس قد يشير إلى تفريط أهله في حرمته أو إلى خصومة تنشأ بين القائمين عليه، وفي المقابل ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية احتراق المسجد قد تحمل بشارة بإصلاح شأن ديني كان مهملاً، أو تنبيهاً لطيفاً يدعو الرائي إلى مزيد من العناية بأداء الفرائض والمحافظة على الصلاة في وقتها. وهذا التباين بين الآراء يؤكد أن العبرة ليست بذات الرمز فحسب، بل بحال الرائي وظروفه التي يعيشها.
ولا شك أن السياق العام للرؤيا يغيّر كثيراً من دلالتها، فالخوف الشديد الذي يعتري الرائي أثناء مشاهدة الحريق يختلف عن شعوره بالهدوء أو حتى الطمأنينة رغم اشتعال النار، كما أن اتساع رقعة الحريق وامتداده إلى كامل المسجد يحمل معنى أثقل من رؤية نار صغيرة سرعان ما تخمد، ويختلف الأمر أيضاً بحسب من تأثر بالحريق، هل هو الرائي نفسه أم جماعة المصلين أم لا أحد على الإطلاق، وهل استطاع أحد إخماد النار أم امتدت دون سيطرة، فكل هذه التفاصيل تصقل المعنى وتقربه من واقع الرائي.
وتختلف الرؤيا أيضاً باختلاف حال الرائي، فإذا رآها رجل ملتزم بارتياد المسجد فقد تشير إلى ابتلاء في همته أو صراع داخلي بين الإقبال والفتور، أما إذا رآها طالب علم شرعي فربما دلت على اشتعال شغفه بالعلم أو على العكس على معاناته من عقبة تعترض طريقه في التحصيل، وإن رآها شخص لا صلة وثيقة له بالمسجد فقد تكون تذكيراً له بضرورة الاقتراب من بيوت الله، أما المرأة فقد تشير الرؤيا في حقها إلى قلق يخالجها بشأن استقرار أسري أو ديني في محيطها القريب.
ومن التفاصيل الدقيقة التي ترفد التفسير لون النار ومصدرها، فاللهب الأحمر الشديد يوحي غالباً بشدة الأمر وقوته، بينما قد يحمل اللون الأزرق أو الهادئ دلالة أخف وطأة، كما أن اندلاع الحريق من داخل المحراب أو المنبر يختلف عن اندلاعه من طرف بعيد كالسجاد أو الأبواب، وكذلك يفرّق المعبرون بين النار التي تُخمد بسرعة وتلك التي تستعصي على الإطفاء، فالأولى تحمل بشرى بزوال الهم سريعاً والثانية تحتاج صبراً أطول.
ولا يفوتنا التذكير بأن رؤية إمام المسجد أو خطيبه وهو يحاول إخماد الحريق تحمل دلالة خاصة، إذ قد تشير إلى جهوده في لمّ شمل الجماعة وتهدئة خلاف نشب بينهم، بينما عجزه عن السيطرة على النار قد يعكس صعوبة تلك المهمة في الواقع. كما أن رؤية المصلين يتراكضون للنجاة من الحريق قد ترمز إلى تفرقهم في مواقف الخلاف، على عكس رؤيتهم متعاونين على الإطفاء التي تبشر بوحدة الصف رغم الأزمة، وهذا التعاون في حد ذاته من أبشر ما يمكن أن يراه الإنسان في مثل هذا الموقف الصعب.
وختاماً، يبقى القول الفصل أن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى درجة اليقين، ولا ينبغي أن يُبنى عليه حكم قاطع أو قرار في حياة الرائي اليومية، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فإن انتاب الرائي قلق من مثل هذه الرؤيا فليكثر من الاستعاذة بالله من النار وشرورها، وليحسن ظنه بربه، وليستقبل يومه بالدعاء والذكر، فذلك خير من الانشغال بتأويل قد يخطئ وقد يصيب.
