قد يرى النائم في منامه ناراً تشتعل في مكان يعتبره مقدساً أو ذا حرمة خاصة، دون أن يكون بالضرورة مسجداً بعينه، فربما كان ضريحاً أو مقاماً أو مكاناً يقصده الناس للعبادة والذكر، أو حتى مكاناً يحمل في نفس الرائي معنى الطهر والاحترام كبيت والديه أو مصحف موضوع في زاوية من زوايا البيت. وهذه الرؤية تحمل وطأة خاصة في نفس الرائي بسبب ما يربطه بالمكان من قداسة، غير أنه من الضروري التذكير بأن هذه المشاهد الليلية رموز توحي ولا تنصّ، وأنها لا تعني بحال من الأحوال وقوع أذى حقيقي بذلك المكان، فالأحلام تعبير عن مكنونات النفس أكثر من كونها إخباراً عن غيب مستقبل.
والنار في عمومها من الرموز التي تحتمل معاني متعددة، فهي تارة إشارة إلى فتنة تلتهب بين الناس فتفرق ما كان مجتمعاً، وتارة أخرى دلالة على غضب كامن يوشك أن ينفجر، وقد تكون تعبيراً عن اختبار وابتلاء يراد به تمحيص القلوب وتقوية الإيمان، كما قد تحمل معنى التطهر من إثم أو خطأ اقترفه الرائي فيحرقه الندم ليخرج منه نقياً كما يخرج الذهب من النار خالصاً. وحين يكون موضع الاشتعال مكاناً مقدساً، يميل كثير من المعبرين إلى ربط الرؤيا بما يمسّ القيم أو المعتقدات أو صلة الرائي بدينه، فقد تشير إلى تراخٍ يعتري التزامه أو إلى محاولة تهديد لثوابته من قبل مؤثرات خارجية، وقد تكون في وجه آخر بشارة بتجدد إيمانه واشتعال حماسه الروحي من جديد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن حرمة الأماكن المقدسة في المنام ترتبط بحرمة أصحابها أو القائمين عليها، وأن النار فيها قد تدل على من يسيء إلى تلك الحرمة بقول أو فعل، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اشتعال النار في موضع طاهر قد يبشر بانتشار الخير والهداية فيه إن كانت النار مضيئة هادئة لا تحرق بقدر ما تنير، فبعض المعبرين يفرقون بين نار الحرق ونار الإنارة تبعاً لصفة اللهب وأثره في المكان.
ولتفصيل المعنى تأثير كبير في ضبط التفسير، فالحالة النفسية للرائي أثناء الحلم من خوف أو هدوء تصبغ الرؤيا بلون يختلف تماماً، كما أن حجم النار الصغير العابر يحمل دلالة أهون من نار عظيمة تلتهم المكان بأكمله، ويختلف الأمر كذلك بحسب ما إذا كان الرائي هو المتضرر من الحريق أم أنه مجرد مشاهد له من بعيد، وهل أُطفئت النار أم استمرت مشتعلة إلى نهاية الحلم، فكل هذه العناصر تشكل معاً الصورة الكاملة للمعنى المقصود.
وإن كان الرائي رجلاً محافظاً على شعائره فقد تشير الرؤيا إلى ابتلاء يمس ثباته أو إلى دعوة لتجديد الهمة، وإن رأتها امرأة فربما دلت على قلق يخالجها إزاء تربية أبنائها على القيم أو على استقرار بيتها الروحي، وإن كان الرائي شاباً في بداية طريقه نحو الالتزام فقد تعبر النار عن صراع داخلي بين الرغبة في الثبات والانجراف وراء المغريات، أما كبار السن فقد تحمل الرؤيا في حقهم معنى المراجعة والحساب الذاتي لما مضى من العمر.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه لون اللهب ومصدره، فاللون الأحمر القاني يوحي بشدة الموقف وحدته، بينما الأصفر أو البرتقالي الهادئ قد يخفف من وطأة المعنى، كما يفرق المعبرون بين النار التي تنبعث من داخل المكان نفسه وتلك التي تأتيه من خارجه كأنها معتدية عليه، وبين النار التي تُسيطر عليها الأيدي بسرعة وتلك التي تستعصي، فالسيطرة على النار في الحلم غالباً ما تحمل بشرى بتجاوز الأزمة مهما بدت شديدة في بدايتها.
ومما يزيد المعنى دقة أن يلحظ الرائي هل كان المكان المقدس مأهولاً بالناس وقت اندلاع النار أم خالياً، فامتلاؤه بالزوار أو المصلين يحمل دلالة على أزمة جماعية تمس عدداً من الناس، بينما خلوه يوحي بأن الأمر يخص الرائي وحده أو دائرة ضيقة من المقربين إليه. كما أن رؤية الزوار وهم يفرّون من المكان تحمل معنى مغايراً عن رؤيتهم متمسكين بالبقاء رغم الخطر، إذ يرمز الثبات في مثل هذا الموقف إلى قوة العقيدة وصلابة اليقين رغم الفتن المحيطة، بينما يعكس الفرار خشية حقيقية من فقدان الثبات أمام أول اختبار يواجهه الرائي في حياته.
وقد يذكر بعض الرائين أنهم سمعوا في منامهم صوت تكبير أو دعاء يعلو وسط الحريق، وهو تفصيل يحمل دلالة مطمئنة على أن قلوب الحاضرين متعلقة بربها رغم الأزمة، وهذا من أبرز ما يخفف وطأة مثل هذه الرؤى عند من يفسرها بروح إيجابية متزنة.
وفي الختام، يجدر التذكير دوماً بأن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يحمل قطعية اليقين، وأن الأصوب لمن رأى مثل هذه الرؤيا أن يستعيذ بالله من شر ما رأى، ويكثر من ذكره ودعائه، ويحسن ظنه بربه سبحانه، فالغيب المطلق لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا نوافذ رمزية للتأمل لا مصادر لليقين أو الأحكام القاطعة.
