يختلف هذا المشهد عن سابقه في نقطة جوهرية، إذ يبدأ الحريق في بيت الجار كما هو معتاد، لكنه سرعان ما يمتد ليصل إلى بيت الرائي نفسه فيصيبه بالضرر المباشر. وهذا التصاعد في الحلم يترك شعوراً بالقلق أكبر عند الاستيقاظ لأنه يمس الرائي شخصياً، لكن كما في كل رؤى النار، يبقى الأصل أن هذا رمز نفسي لا نذير حقيقي بحريق واقعي يهدد بيت الرائي أو بيت جاره.
وامتداد النار من الخارج إلى الداخل في المنام يرمز غالباً إلى تأثر الرائي بأزمة لم يكن هو سببها المباشر، بل جاءته من محيطه الاجتماعي أو من طرف آخر، كخلاف بدأ بين أشخاص آخرين ثم امتد ليشمله، أو مشكلة عمل بدأت في قسم آخر ثم أثرت على قسمه، أو حتى فتنة اجتماعية انتقلت من بيت إلى بيت. ويحمل هذا المشهد تحذيراً لطيفاً من ضرورة الحيطة من الانجرار إلى مشكلات الآخرين دون قصد.
نُسب إلى ابن سيرين أن امتداد النار من مكان إلى مكان في المنام يدل على انتقال الفتنة أو البلاء من قوم إلى آخرين، وقد ذهب في بعض ما نُقل عنه إلى أن سلامة الرائي من الحريق رغم امتداده إليه تدل على أنه سينجو من أثر تلك المشكلة وإن مسّته بعض تبعاتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هذا المشهد يحمل دعوة لليقظة وأخذ الحيطة من مخالطة من قد يجرّ صاحبه إلى متاعب ليست من صنع يده.
ويختلف المعنى بحسب مقدار الضرر الذي يلحق ببيت الرائي بعد امتداد النار؛ فإن كان الضرر بسيطاً محتوى فذلك يدل على تأثر عابر سرعان ما ينتهي، وإن كان الضرر جسيماً فقد يشير إلى أن الأزمة الخارجية ستترك أثراً حقيقياً يحتاج جهداً لتجاوزه. كذلك سرعة الانتقال من بيت الجار إلى بيت الرائي تعكس سرعة تأثره بما يجري حوله، فكلما كان الانتقال سريعاً مفاجئاً دلّ على أزمة تصله بلا مقدمات واضحة.
للفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى تأثرها بمشكلة عائلية أو اجتماعية ليست من صنعها لكنها تطالها بشكل غير مباشر. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى انتقال خلاف من بيت أهل زوجها أو جيرانها إلى داخل بيتها الزوجي. وللرجل قد يدل على تأثره بأزمة زميل أو شريك عمل تمتد لتطال مصالحه الخاصة. وللمريض قد يعكس قلقه من تأثره بضغوط محيطه على حالته الصحية والنفسية. وللحامل قد يرمز إلى حساسيتها الزائدة تجاه أي توتر يحدث حولها في هذه المرحلة الدقيقة.
ومن التفاصيل المهمة ملاحظة أي جزء من بيت الرائي أصابته النار أولاً، فإصابة الأجزاء الخارجية كالسور أو الفناء أخف من إصابة غرف النوم أو قلب البيت، كما أن استطاعة الرائي احتواء الحريق قبل أن يستشري داخل بيته تدل على قدرته على ضبط الأزمة قبل تفاقمها، بخلاف انتشاره الكامل الذي يدل على صعوبة السيطرة على تبعات ما بدأ من خارج نطاقه.
وللمطلقة قد يرمز امتداد النار من بيت الجار إلى بيتها إلى تأثرها بأحاديث الناس أو خلافات عائلية ليست من صنعها لكنها تطالها بسبب وضعها الاجتماعي الجديد، وهو ما يستدعي منها حكمة في التعامل دون الانجرار للصراع. وللأرملة قد يشير إلى شعورها بأن أعباء محيطها أصبحت تُلقى عليها لظنّ البعض أنها الطرف الأضعف القادر على الاحتمال، وهو ما يستوجب منها وضع حدود واضحة تحفظ استقرارها. أما كبار السن فقد يرمز لهم هذا المشهد إلى تأثرهم الوجداني بمشكلات أبنائهم أو أحفادهم رغم محاولتهم البقاء بمنأى عنها، لما يحملونه من قلب رقيق تجاه أسرتهم الممتدة.
وفي النهاية، كل هذا اجتهاد بشري ظني لا يحمل يقيناً، والغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه. فليحرص الرائي في يقظته على حسن اختيار رفقته ومحيطه، وليكثر من الدعاء والاستعاذة بالله من شر الفتن القريبة والبعيدة، وليحسن الظن بربه أن يحفظه من كل سوء يأتيه من حيث لا يحتسب.
ومن الحكمة العملية التي يمكن استخلاصها من هذا النوع من الرؤى أهمية الحفاظ على حدود صحية في العلاقات الاجتماعية، بحيث يكون الإنسان متعاوناً ومتعاطفاً مع من حوله دون أن ينجرف بالكامل في مشكلاتهم على حساب استقراره الخاص. فالتوازن بين نصرة الآخرين ومساعدتهم وبين حماية النفس والأسرة من التأثر السلبي بأزماتهم أمر يحتاج حكمة وتدرجاً، ولا ينبغي أن يفسَّر هذا الحلم على أنه دعوة للانعزال عن الناس، بل هو تذكير بضرورة الوعي بحدود التأثر المتبادل بين الإنسان ومحيطه، والسعي دوماً لأن يكون عامل استقرار لا عامل انجراف في أي فتنة تمر بمن حوله.
