من أشد مشاهد النار إثارة للقلق عند الاستيقاظ، أن يرى الوالد أو الوالدة ناراً تندلع في مكان يتواجد فيه أطفالهما، سواء في البيت أو المدرسة أو أي مكان آخر، فيتملكهما شعور فوري بالذعر خلال الحلم نفسه. ومن الضروري جداً هنا التأكيد بأن هذا المشهد لا يعني إطلاقاً أن الأطفال في خطر حقيقي، فتفسير الأحلام لا صلة له بالتنبؤ بمكروه فعلي، وأن هذا الحلم غالباً ما يكون انعكاساً لمشاعر الحرص الطبيعية التي يحملها كل أب وأم تجاه أبنائهم.
وحريق المكان الذي يتواجد فيه أطفال يرمز غالباً إلى القلق الطبيعي والحرص الشديد الذي يشعر به الوالدان تجاه سلامة أبنائهم، وهو شعور فطري لا يحتاج تفسيراً معقداً في أغلب الأحيان، وقد يعكس أيضاً توتراً عاماً يعيشه الوالد بخصوص تربية أبنائه أو مسؤولياته تجاههم في مرحلة معينة. وقد يرمز أحياناً إلى خطر معنوي لا مادي يحيط بالأطفال، كبيئة اجتماعية غير صحية أو تأثيرات سلبية ينبغي الانتباه لها ومعالجتها بحكمة.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الخطر يحيط بالأولاد في المنام تعكس غالباً قلق الوالد الطبيعي عليهم أكثر من كونها إنذاراً حقيقياً، وأن نجاة الأطفال من الحريق في الحلم أمر يغلب وقوعه ويدل على أن الله سيحفظهم من كل سوء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مسارعة الوالد لإنقاذ أطفاله في الحلم تدل على قوة إحساسه بالمسؤولية تجاههم، وهو معنى محمود يدعو للاطمئنان لا للخوف.
ويتوقف المعنى على مآل الحريق في نهاية الحلم؛ فإن نجا الأطفال بسلام فهذا الغالب في هذا النوع من الرؤى ويدل على زوال القلق واطمئنان قلب الوالد قريباً، أما إن استمر الحلم بمشاهد مقلقة فقد يعكس ذلك حدّة القلق النفسي الذي يعيشه الرائي أكثر من كونه دلالة حقيقية. كذلك دور الرائي في الحلم، فإن كان فاعلاً يسعى للإنقاذ دل ذلك على حسّ مسؤولية عالٍ، وإن كان عاجزاً متجمداً فقد يعكس شعوراً بالعجز أمام ضغوط الحياة اليومية في تربية الأبناء.
للأب قد يعكس هذا الحلم حرصه الشديد على مستقبل أبنائه ورغبته في حمايتهم من كل ما قد يؤثر عليهم سلباً. وللأم قد يرمز إلى قلقها الفطري تجاه سلامة أطفالها وتوتر داخلي بخصوص مسؤوليات التربية اليومية. وللمرأة الحامل قد يشير إلى مخاوفها المبكرة تجاه مولودها القادم وحرصها الغريزي على حمايته حتى قبل مجيئه. وللمريض من الوالدين قد يعكس قلقه من عدم القدرة على رعاية أطفاله كما يجب في فترة مرضه. وللشاب أو الشابة غير المتزوجين ممن يرون هذا المشهد لأطفال أقارب، فقد يرمز إلى تعاطف عميق مع أسرهم ومسؤولياتهم.
ومن التفاصيل المهمة ملاحظة سرعة تدخل الكبار في الحلم لإنقاذ الأطفال، فالتدخل السريع الفعّال يعزز معنى الحماية المتوفرة فعلاً، بينما التأخر أو الفوضى في الاستجابة قد يعكس حاجة الرائي لإعادة تنظيم أولوياته تجاه أبنائه. كذلك عدد الأطفال المتواجدين وأعمارهم يوجهان المعنى نحو مرحلة تربوية بعينها يمر بها الرائي مع أبنائه.
وللجد أو الجدة الذين يرون مثل هذا الحلم لأحفادهم تحديداً، فإنه يعكس عادة عمق المحبة التي لا تقل عن محبة الوالدين المباشرين، وحرصهم الشديد على أن يظل الحفيد محاطاً بالرعاية حتى بعد أن كبر أبناؤهم واستقلوا بحياتهم. وقد يرمز هذا المشهد لديهم إلى رغبة داخلية في المشاركة الفعلية بتربية الجيل الجديد ونقل الخبرة والحكمة إليه، لا مجرد القلق العابر، فحرص الأجداد على الأحفاد كثيراً ما يحمل رغبة صادقة في ترك أثر طيب يمتد بعدهم في الأجيال القادمة.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يحمل نذير سوء حقيقي، والغيب عند الله وحده الحافظ لكل طفل صغير. فليكثر الوالدان من الدعاء لأبنائهما بالحفظ والسلامة، وليستعيذا بالله من كل مكروه، وليحسنا الظن بالله أنه خير حافظ وهو أرحم الراحمين بعباده الصغار والكبار.
وقد ترى المربية أو المعلمة التي تتحمل مسؤولية رعاية أطفال ليسوا أبناءها مباشرة مثل هذا الحلم، فيعكس شعورها العميق بالمسؤولية تجاه من هم تحت رعايتها، وحرصها الشديد على سلامتهم كما لو كانوا من صلبها. وهذا الإحساس بالمسؤولية تجاه ضعفاء لا حول لهم ولا قوة من أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان في قلبه، ويُحمد عليه صاحبه أشد الحمد، سواء كان أباً أو أماً أو معلماً أو حتى مجرد قريب يهتم بأطفال أسرته. فليطمئن كل من يحمل هذا الشعور النبيل أن حرصه هذا هو عين الخير الذي يريده الله من عباده تجاه الضعفاء والصغار، وأن الله سبحانه هو خير حافظ لكل من يحرص عليه المرء بصدق نية.
