من الرؤى التي تترك في النفس أثراً بالغاً أن يرى النائم ناراً حمراء شديدة الاشتعال، تتصاعد ألسنتها بقوة وعنف، حتى يكاد يشعر بحرارتها وهو نائم. وهذا المشهد القوي يثير في الغالب شعوراً بالقلق لدى الرائي فور استيقاظه، لكن ينبغي دائماً استحضار أن الرؤيا رمز يحتمل التأويل، وليست خبراً يقينياً عن حدث سيقع لا محالة، فمهما بلغت شدة المشهد في المنام فإنها لا تعدو كونها إشارة رمزية تستدعي التأمل لا اليقين والجزم.
وتُعد النار الحمراء الشديدة من أقوى صور النار دلالة عند أغلب المعبرين، فهي ترمز في الغالب إلى غضب بالغ يعتمل في النفس أو يحيط بالرائي من محيطه، وقد تشير إلى فتنة كبيرة توشك أن تشتعل بين أطراف متنازعة، كما قد تدل على اختبار شديد أو أزمة عاصفة يمر بها الرائي في جانب من جوانب حياته، سواء كان ذلك في عمله أو أسرته أو صحته. وفي المقابل، لا يخلو الأمر من احتمال أن تكون هذه النار الشديدة رمزاً لحماسة قوية وطاقة متقدة نحو إنجاز أمر مهم، فحدة اللهب قد تعكس أيضاً شدة الشغف والعزيمة، لا الخطر وحده.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن شدة النار في المنام تتناسب مع شدة الأمر الذي تدل عليه، فكلما عظم اللهب عظم الشأن الذي يرمز إليه من خير أو شر بحسب سياق الرؤيا، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن النار الشديدة إن لم تصب الرائي بأذى مباشر فقد تكون إنذاراً لطيفاً يدعوه لتهدئة أموره وضبط انفعالاته قبل أن تستفحل، أما إن كانت النار قريبة منه ومحرقة له فقد يكون ذلك إشارة إلى ضرر قد يمسّه من فتنة أو خصومة قائمة بالفعل.
ويتوقف تحديد المعنى الدقيق على عناصر عدة في الرؤيا، أبرزها الحالة الشعورية للرائي، فإن كان الخوف طاغياً عليه فذلك يرجح كفة التحذير، أما إن غلبت عليه حالة من الفضول أو حتى الإعجاب بقوة اللهب فقد يميل المعنى نحو الحماسة والدافعية الإيجابية، ويختلف الأمر أيضاً بحسب اتساع رقعة الحريق، فامتداده إلى مساحات واسعة يحمل ثقلاً أكبر من اشتعاله في بقعة محدودة، كما تؤثر نتيجة الحريق في نهاية الحلم، فإخماده يحمل بشرى بتجاوز الأزمة مهما بدت حادة.
وإذا رأى الرجل هذه النار فقد تشير إلى مواجهة يخوضها في عمله أو مع من حوله تستدعي منه ضبط النفس، وإذا رأتها المرأة فربما دلت على توتر أسري أو اجتماعي يستنزف طاقتها، وإن رآها شخص يعاني من مرض فقد تعبر عن شدة ما يقاسيه من ألم يحتاج صبراً وسكينة، أما الشاب الطموح فقد تكون النار الحمراء في حقه ترجمة لحماسته المتقدة نحو تحقيق هدف يسعى إليه بجد، فلا يبعد أن يكون المعنى محمولاً على الخير بقدر ما يحتمل التحذير.
ومن التفاصيل التي ترفد الفهم مصدر النار وموقعها، فاشتعالها من مكان قريب من الرائي يختلف عن رؤيتها من بعيد، وسرعة انتشارها تعكس سرعة تفاقم الأمر الذي تشير إليه، بينما بطء امتدادها قد يمنح مهلة للتدارك، كما أن مصاحبة الدخان الكثيف للهب الأحمر تضيف معنى التشويش والغموض الذي يحيط بالأزمة المقصودة، على عكس اللهب الصافي الذي يوحي بوضوح الأمر رغم شدته.
ويضيف بعض المعبرين المعاصرين ملاحظة مهمة حول الصوت المصاحب للنار الحمراء الشديدة في الحلم، فهدير اللهب العالي وصوت التفحم يحملان معنى أقوى من النار الصامتة رغم شدة لونها، إذ يُفهم من الصوت العالي حدة الصراع أو المواجهة التي تشير إليها الرؤيا، بينما هدوء المشهد بصرياً وسمعياً رغم حمرة اللهب قد يخفف من وطأة المعنى إلى حد ما. كذلك تختلف الرؤيا إن كان الرائي يقاوم النار بمفرده أو يجد من يعاونه على إخمادها، فوجود المعين في الحلم يبشر بأن الرائي لن يواجه أزمته وحيداً، بل سيجد من يسانده من أهله أو أصدقائه حين تشتد به الحال، وهذا من أكثر التفاصيل التي تبعث الطمأنينة في نفس من يقلقه مثل هذا المشهد القوي.
ويلاحظ بعض المعبرين أن رؤية النار الحمراء وهي محصورة داخل موقد أو حاوية معينة تختلف تماماً عن رؤيتها منفلتة تجتاح كل ما حولها، فالحصر يوحي بأن الرائي أو من حوله ما زال قادراً على ضبط الأزمة والتحكم في مسارها، بينما الانفلات التام يستدعي مزيداً من الحيطة والتعقل في التعامل مع ما يستجد من أمور خلال الفترة القادمة من حياته.
وفي النهاية، يبقى كل ما سبق اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يبلغ درجة القطع، فلا يليق بمسلم أن يفزع من رؤيا مهما بدت شديدة، بل الأولى أن يلجأ إلى الاستعاذة بالله من شرور النار والفتن، ويكثر من ذكر الله ودعائه، ويحسن الظن بربه في كل حال، فالعلم بحقيقة الغيب عند الله وحده لا شريك له.
