يرى بعض النائمين أنهم يشعلون النار بأيديهم عن قصد ووعي تام، سواء بعود ثقاب أو بأي وسيلة أخرى، ويراقبون اشتعالها وهي تتصاعد أمامهم دون أن يكون ذلك نتيجة حادث عرضي. وهذا المشهد يختلف جوهرياً عن رؤية النار وهي تندلع من تلقاء نفسها، ومن المهم التأكيد أن هذه رؤيا رمزية تحتمل التأويل، ولا تعني بالضرورة إقدام الرائي على فعل حقيقي مماثل، فتفسير الأحلام مبني على الظن لا على اليقين القاطع.
وترمز رؤية إشعال النار عمداً إلى مبادرة شخصية يقوم بها الرائي لإحداث تغيير في حياته أو في محيطه، فقد تشير إلى قراره ببدء مشروع جديد يحمل في طياته تحدياً كبيراً، أو إلى رغبته في إثارة قضية كانت مسكوتاً عنها لطالما رأى ضرورة الحديث فيها. وقد تدل أيضاً على إثارته لخصومة أو نزاع بوعي منه، سواء كان ذلك بحق أو بغير حق، كما يمكن أن ترمز إلى شغفه المتقد نحو أمر يريد تحقيقه بكل قوة وإصرار، فتكون النار هنا تعبيراً عن الفعل الإرادي لا القدر المفاجئ.
وقد ذهب بعض من نقل عن ابن سيرين إلى أن من رأى أنه أشعل النار بيده في موضع معين فذلك يدل على سعيه لإثارة أمر يخصه بنفسه، خيراً كان أو شراً بحسب ما آلت إليه النار بعد ذلك، وأشار بعض من نسب إلى النابلسي إلى أن إشعال النار بقصد الاستدفاء أو الإنارة يحمل دلالة محمودة، بخلاف إشعالها بقصد الإتلاف والتخريب الذي قد يرمز إلى نية سيئة يضمرها الرائي تجاه غيره. وتبقى هذه الآراء اجتهادات بشرية ظنية تحتمل الاختلاف بحسب النية الظاهرة في الحلم.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب الغرض الذي أشعل الرائي النار من أجله في منامه، فإشعالها للطبخ أو التدفئة يختلف تماماً عن إشعالها لحرق ممتلكات أو إيذاء أحد، كما يختلف الأمر بحسب نتيجة هذا الفعل، هل تحكم بها الرائي وسيطر عليها أم خرجت عن إرادته وتحولت إلى حريق كبير، فهذا التحول يحمل تحذيراً من عواقب فعل بدأه الرائي بنفسه ثم فقد السيطرة عليه.
فبالنسبة لصاحب مشروع جديد، فقد ترمز هذه الرؤيا إلى شروعه الجاد في تنفيذ فكرة كان يخطط لها طويلاً، وقد تبشر بحماسه ونشاطه في هذه المرحلة. أما من كان بينه وبين أحد خلاف قديم، فقد تشير إلى نيته إثارة هذا الخلاف من جديد، وهو ما يستدعي منه تأملاً في مدى حكمة هذا القرار. وإذا رآها شخص يسعى للفت الانتباه إلى قضية اجتماعية، فقد تعكس رغبته الصادقة في إحداث تغيير إيجابي رغم صعوبة الطريق.
ومن التفاصيل التي تستحق الوقوف عندها معرفة هل شعر الرائي بالندم بعد إشعال النار أم بالرضا عن فعله، وهل ساعده أحد في هذا الفعل أم قام به بمفرده، وهل انتهت النار بنتيجة إيجابية كالإنارة والدفء أم تطورت إلى ضرر بالغ، فكل ذلك يعين على تقدير مآل هذه المبادرة التي قام بها الرائي في رمزية حلمه.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يصل إلى درجة القطع، فلا يصح أن يُتخذ مبرراً لفعل متهور في الواقع أو حكماً نهائياً على نية الرائي، والأولى أن يتأنى في قراراته ويستخير الله فيها، وأن يستعيذ بالله من شر ما رأى، محسناً الظن بربه في كل أحواله، فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
وإذا رأى شخص يخطط للكشف عن سر أو معلومة كان يخفيها لفترة طويلة أنه يشعل ناراً بيده، فقد يرمز ذلك إلى استعداده النفسي لمواجهة عواقب هذا الإفصاح مهما كانت. أما القائد الذي يتخذ قراراً جريئاً وسط معارضة من حوله، فقد تشير هذه الرؤيا إلى ثقته بصواب قراره رغم إدراكه لحجم الجدل الذي سيثيره. ومن المهم أن يتذكر الرائي أن المبادرة بفعل أمر جديد، سواء كان مشروعاً أو قراراً مصيرياً أو حتى مواجهة صادقة مع شخص عزيز، تحمل دائماً في طياتها مسؤولية النتائج المترتبة عليها، وأن نجاح هذه المبادرة يتوقف غالباً على مدى الحكمة والتدبير المصاحبين لها منذ البداية.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن كل مبادرة حقيقية في الحياة تحتاج إلى شجاعة مقرونة بالحكمة، وأن الخوف الزائد من ردة فعل الآخرين لا ينبغي أن يمنعه من اتخاذ الخطوات التي يراها صائبة بعد تفكير متأنٍ. وهذه الرؤيا في جوهرها قد تكون تشجيعاً له على الثقة بقراراته، بشرط أن يكون قد درسها جيداً واستشار من يثق بهم، فالمبادرة المحسوبة خير من التردد الذي قد يضيع فرصاً ثمينة.
