يتناول هذا التفسير مشهد غابة بلا نهاية في المنام، كأن الرائي يمتد أمامه الشجر إلى ما لا يبلغ بصره. والأصل أن الرؤيا لغة رمزية تعبّر عن الأحوال النفسية والتصورات أكثر مما تخبر بوقائع محددة، فلا تُفهم على ظاهرها. وقد يحمل المشهد الواحد عند شخصين معنيين مختلفين بحسب ظروفهما. وما يأتي عرض لاحتمالات عامة تعين على التأمل بنبرة هادئة ودون جزم.
الغابة في الرموز مكان كثيف الأشجار متعدد الدروب، فهي ترمز إلى الغموض والتشعب والبحث عن الاتجاه، وإلى الخلوة وصفاء الذهن. أما غياب النهاية فيضيف إلى الرمز معنى الامتداد والاتساع، فكأن ما تدل عليه الغابة أمر طويل المدى لا تُرى خاتمته بعد. وقد يكون ذلك مرحلة طويلة من الجهد أو الانتظار أو الدراسة، وقد يكون شعورًا بالاتساع والسعة الهادئة. ويحدد الإحساس داخل المشهد وجهة المعنى، فالسكينة ترجح الاتساع، والإرهاق يرجح طول المشقة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب البرية والشجر أن الأرض الواسعة الخضراء قد تدل على سعة وخير إذا خلا المشهد من الخوف، وأن الموحش الممتد قد يدل على مشقة أو سفر طويل أو انشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البراري الممتدة قد ترمز إلى غربة أو مجاهدة للنفس بحسب حال الرائي. والغابة التي لا نهاية لها بوصفها مشهدًا مستقلًا لم تُفرد لها في الكتب القديمة أبواب مفصلة في الغالب، فتُقاس على نظائرها. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا عند المتقدمين، ولذلك تتعدد فيها الأقوال.
ولحال الغابة الممتدة أثر في الترجيح. فإذا كانت خضراء مضيئة يسهل السير فيها فهي تُقرأ غالبًا على أنها مرحلة طويلة لكنها ميسرة، وإذا كانت داكنة كثيفة فقد تعكس شعورًا بطول الطريق وكثرة المطلوب. ووجود علامات في الطريق كجدول ماء أو ضوء بعيد يميل بالمعنى نحو الأمل، وغيابها يميل به نحو الحيرة. وكلما شعر الرائي بأنه يتقدم ولو ببطء كان المعنى أقرب إلى الثبات.
وفي حق العزباء قد تدل الغابة التي لا نهاية لها على شعورها بطول مرحلة من الانتظار أو التحصيل أو البحث عن الاستقرار، وفي حق المتزوجة قد تعبّر عن امتداد المسؤوليات اليومية التي لا تنتهي. وإذا شعرت بأنس فالمعنى أقرب إلى السعة، وإذا شعرت بإرهاق فهو أقرب إلى حاجتها لمن يشاركها العبء. ولا يصح أن تُسقط الرائية المعنى على موعد أو شخص بعينه.
وفي حق الرجل قد تدل الغابة الممتدة على مشروع طويل أو التزام ممتد يحتاج إلى نفس طويل، وفي حق الحامل قد تعبّر عن إحساس بطول الانتظار أو بكثرة الأفكار في هذه المرحلة، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا دليلًا على حال الحمل. وفي حق الطالب قد تدل على طول المنهج وكثرة المطلوب. وفي حق المسافر قد تعبّر عن طول الطريق. وكلها احتمالات عامة لا يلزم أن تتحقق.
وإذا رأى الرائي نفسه يسير بثبات في الغابة الممتدة دون أن يتعب فقد يُحمل ذلك على صبر وقدرة على الاستمرار، وإن رأى نفسه يتعب ويتوقف فقد يدل على حاجة إلى راحة وتقسيم الطريق إلى مراحل. وإذا ظهرت في الأفق فسحة مضيئة فذلك يقرب المعنى من الأمل. وإذا بدا أن الأشجار تتكرر على الصورة نفسها فقد يشير ذلك إلى روتين طويل يحتاج إلى تجديد. وهي كلها قراءات رمزية عامة لا تقطع بشيء.
ومن التفاصيل الدقيقة تدرج الضوء وتغير الأرض وما يطرأ على الطريق. فالضوء الذي يزداد وضوحًا مع السير يوحي بتقدم، والعتمة التي تشتد توحي بحاجة إلى الحذر. والأرض التي تتغير من وعرة إلى منبسطة توحي بتحسن تدريجي. وصوت الماء البعيد يوحي بأمل، والصمت المطلق يوحي بحاجة إلى الصبر. ويُستأنس بهذه الدقائق في تكوين صورة عامة ولا يُبنى على واحدة منها معنى منفرد.
ومن الناحية النفسية قد تظهر الغابة التي لا نهاية لها حين يشعر الإنسان بأن أمرًا ما طويل لا ينتهي، كمرحلة دراسة أو انتظار أو عمل متواصل. فالعقل يصوغ هذا الإحساس في صورة امتداد لا يُرى آخره. ويفيد حينئذ تقسيم الطريق إلى محطات صغيرة قابلة للقياس، والاحتفاء بكل خطوة منجزة، والحرص على الراحة. وإن بقي بعد الاستيقاظ ارتياح فهو أقرب إلى المعاني الطيبة، وإن بقي ثقل فليُترجم إلى تخطيط هادئ. ولا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري ولا ظن بأحد من المحيطين.
وفي الختام يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، وتتفاوت فيه الآراء. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدع بخير قائلًا اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وارزق صاحبها صبرًا جميلًا وانفراجًا. وليبقَ في القلب أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُجزم بما سيكون، وفي حسن الظن بالله طمأنينة تكفي.
