يتناول هذا التفسير مشهد غابة تنمو أمام الرائي في المنام، كأن يرى الشجر يرتفع شيئًا فشيئًا أو تتكاثر الأشجار أمام عينيه. والأصل أن الرؤيا لغة رمزية تعبّر عن الأحوال النفسية والتصورات أكثر مما تخبر بوقائع محددة، فلا تُفهم على ظاهرها. وقد يحمل المشهد الواحد عند شخصين معنيين مختلفين بحسب ظروفهما وما يعملان عليه. وما يأتي عرض لاحتمالات عامة تعين على التأمل دون جزم بشيء منها.
الغابة في الرموز مكان كثيف الأشجار متعدد الدروب، فهي ترمز إلى الغموض والتشعب والبحث عن الاتجاه، وإلى الخلوة وصفاء الذهن. أما النمو فيضيف إلى الرمز معنى التدرج والتكوّن، فكأن ما تدل عليه الغابة أمر يتشكل أمام الرائي لا أمر جاهز. وقد يكون ذلك عملًا يكبر أو علاقة تتسع أو فكرة تنضج، وقد يكون شعورًا بتكاثر الأفكار والمسؤوليات. ويحدد الإحساس داخل المشهد وجهة المعنى، فالإعجاب يرجح النمو الطيب، والانزعاج يرجح تراكم الأعباء.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الشجر أن الشجر النامي الأخضر قد يدل على زيادة في الخير والمال والأهل والعمل إذا خلا المشهد من الخوف، وأن الشجر المتشابك الموحش قد يدل على هموم وانشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأشجار تعبّر عن الرجال والأعمال والأحوال بحسب نوعها وثمرها، وأن نموها قد يشير إلى تحسن أو توسع. والغابة التي تنمو بوصفها مشهدًا مستقلًا لم تُفرد لها في الكتب القديمة أبواب مفصلة في الغالب، فتُقاس على نظائرها. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا عند المتقدمين، ولذلك تتعدد فيها الأقوال.
ولحال النمو أثر في ترجيح المعنى. فإذا كان الشجر ينمو بهدوء وانتظام وهو أخضر فهو يُقرأ غالبًا على أنه نمو متزن في أمر يعمل عليه الرائي، وإذا كان ينمو بسرعة وفوضى فقد يعكس تراكم الالتزامات بغير ترتيب. ووجود الماء والضوء حوله يميل بالمعنى نحو الخير والتجدد، وغياب الضوء يميل به نحو الحاجة إلى عناية. وكلما كان النمو متدرجًا كان المعنى أقرب إلى الثبات.
وفي حق العزباء قد تدل الغابة النامية على نضج خياراتها وتبلور اتجاهها شيئًا فشيئًا، وفي حق المتزوجة قد تعبّر عن اتساع شؤون الأسرة وتزايد ما تهتم به. وإذا شعرت بالسرور فالمعنى أقرب إلى النمو الطيب، وإذا شعرت بالارتباك فهو أقرب إلى الحاجة إلى التنظيم. ولا يصح أن تُسقط الرائية المعنى على شخص بعينه من المحيطين بها.
وفي حق الرجل قد تدل الغابة النامية على عمل أو مشروع يتوسع تدريجيًا ويحتاج إلى رعاية، وفي حق الحامل قد تعبّر عن إحساس بالنمو والتغير في هذه المرحلة، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا دليلًا على حال الحمل. وفي حق الطالب قد تدل على تراكم المعرفة والمهارة. وفي حق المهموم قد تعبّر عن بداية تحسن تدريجي. وكلها احتمالات عامة لا يلزم أن تتحقق.
وإذا رأى الرائي الأشجار تنمو من الأرض مباشرة أمامه فقد يُحمل ذلك على بدايات جديدة تتكون من العدم، وإن رآها تنمو حول أشجار موجودة فقد يدل على توسع في أمر قائم. وإذا شاركها بالسقي أو العناية فقد يعبّر عن جهد يبذله في رعاية ما يريد نموه. وإذا نمت فوق رأسه حتى حجبت السماء فقد يشير إلى تكاثر أمور تحتاج إلى تنظيم. وهي كلها قراءات رمزية عامة لا تقطع بشيء.
ومن التفاصيل الدقيقة سرعة النمو ولون الأوراق وحال الأرض. فالنمو البطيء يوحي بصبر وتدرج، والسريع يوحي بتحول مفاجئ. والأوراق الخضراء الندية توحي بحيوية، والصفراء توحي بحاجة إلى عناية. والأرض الخصبة توحي بتهيؤ، والجافة توحي بحاجة إلى دعم. ويُستأنس بهذه الدقائق في تكوين صورة عامة ولا يُبنى على واحدة منها معنى منفرد.
ومن الناحية النفسية قد تظهر الغابة النامية حين يعمل الإنسان على أمر ويشعر بأنه يكبر ويتشعب، فالعقل يصور النمو في صورة أشجار ترتفع. ويفيد حينئذ تسجيل الإنجازات الصغيرة، وترتيب الأولويات حتى لا يتحول النمو إلى ازدحام، والحفاظ على فترات راحة. وإن بقي بعد الاستيقاظ ارتياح فهو أقرب إلى المعاني الطيبة، وإن بقي ثقل فليُترجم إلى تخطيط هادئ. ولا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري ولا ظن بأحد من المحيطين. والمقصود منها فهم الذات وتهدئتها.
وفي الختام يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، وتتفاوت فيه الآراء. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدع بخير قائلًا اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وبارك لصاحبها في كل ما ينمو من عمله وأهله. وليبقَ في القلب أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُجزم بما سيكون، وفي حسن الظن بالله طمأنينة تكفي.
