البحيرة في الغابة من المشاهد الساكنة التي تمنح الرائي إحساسًا بالصفاء والعزلة الجميلة، إذ يستقر الماء بين الأشجار كأنه مرآة للسماء. والرؤيا رمزية في أصلها، فلا تُحمل على أنها وصف حرفي لما سيقع. وقد تظهر البحيرة صافية تعكس الأشجار، أو ضبابية يغشاها بخار خفيف، أو داكنة لا يُرى قاعها. ويختلف الأثر بحسب ما شعر به الرائي أمامها من أمان أو رهبة. ولذلك ينبغي ضبط الشعور قبل الانتقال إلى التأويل.
الغابة في الرموز تدل على الحياة المتشعبة والخلوة والبحث عن الاتجاه، والبحيرة تدل على الماء المستقر الذي يرمز إلى السكينة والعمق والتأمل. فاجتماعهما قد يعبر عن حاجة إلى هدوء داخلي وسط زحام الحياة، أو عن مساحة خاصة يستعيد فيها الرائي توازنه. وقد ترمز إلى مشاعر مستقرة عميقة، أو إلى أفكار لم تتضح قيعانها بعد. وقد تدل على رزق ساكن مدخر لا يتحرك بسرعة. والمعنى يتغير بحسب صفاء الماء وإحساس الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الماء الراكد قد يدل على ثبات حال أو على مال مدخر، ويفرق بين الصافي منه والعكر في الدلالة على الخير أو الكدر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البحيرة والبركة قد تدل على رجل ذي سعة أو على مكان تجتمع فيه الأمور، وأن صفاءها يدل على صفاء الأحوال. وتتفاوت الأقوال بين من يميل إلى معنى الخير ومن يشدد على حال الماء. والبحيرة داخل الغابة من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، لذلك يغلب فيها الاجتهاد. فتبقى هذه الأقوال علامات عامة لا قواعد.
يتغير المعنى بحال البحيرة وإحساس الرائي. فإن كانت صافية هادئة تعكس الأشجار والسماء فالأقرب أنها تدل على صفاء ذهني وطمأنينة وحسن حال. وإن كانت ضبابية فقد تعبر عن غموض في أمر لم تتضح صورته بعد. وإن كانت داكنة عميقة يخشى الرائي النظر في قاعها فقد تعكس مشاعر مكبوتة أو أفكارًا لم يواجهها. وإن كان يجلس على شاطئها مرتاحًا فقد يدل على حاجة إلى راحة وتأمل.
إذا رأت العزباء بحيرة في الغابة فقد يُفهم ذلك على أنه حاجتها إلى هدوء وصفاء بعد فترة من الانشغال، أو رغبة في فهم مشاعرها بعمق. وإن كانت تتأمل انعكاسها فقد يعبر ذلك عن مراجعة للنفس وتطلع إلى معرفة ما تريد. وإن كان الماء مقلقًا فقد يعكس ترددًا أمام قرارات مؤجلة. ولا يصح ربط الحلم بشخص معين أو بحدث محدد. والأولى أن تستفيد منه تأملًا وترتيبًا لأفكارها.
أما المتزوجة فقد تدل البحيرة عندها على سكينة البيت وحاجتها إلى فسحة هدوء بعيدًا عن مشاغل الأسرة. وإن كان الماء صافيًا فالأقرب أنه يعبر عن استقرار ومودة، وإن كان عكرًا فقد يعكس تعبًا مكتومًا يحتاج إلى تعبير وحوار. وإن كانت الرائية حاملًا فالغالب أن الحلم يعبر عن رغبتها في السكينة والطمأنينة أثناء هذه الفترة. ويجب التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا يدل على حال الحمل أو الصحة، والمرجع هو الطبيب. وعليها أن تحسن الظن بربها وتمنح نفسها وقتًا للراحة.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تدل البحيرة على مال مدخر أو استقرار في عمله، وقد تعبر عن حاجته إلى فسحة تأمل بعيدًا عن ضغوط العمل. والماء الصافي يُحمل على راحة وصفاء، والراكد الآسن قد يدل على جمود يحتاج إلى حركة وتجديد. وإن كان يمر بقرار مؤجل فقد يعكس الحلم رغبته في التمهل. وللشاب قد يعني البحث عن الذات. وكل ذلك احتمالات لا تقطع بشيء.
للتفاصيل أثرها، فلون الماء وصفاؤه وهدوؤه وما يحيط بالبحيرة من أشجار أو صخور أو قصب يضيف دلالات. والانعكاس الواضح للأشجار يوحي بصفاء النفس ووضوح الصورة، والاضطراب في السطح يوحي بقلق أو تردد. ووجود طيور مائية أو زوارق صغيرة يميل إلى معاني الحياة والتنقل الهادئ. وكذلك الضباب الخفيف يميل إلى الغموض المريح أو الحيرة بحسب شعور الرائي. وهل كان الوقت فجرًا أو غروبًا يغير الإيحاء. وكلما حفظ الرائي ذلك أكثر كان فهمه أقرب.
من الزاوية النفسية قد يعكس الحلم رغبة في السكون والبعد عن الضجيج، أو حاجة إلى مواجهة مشاعر عميقة بهدوء. ويفيد أن يخصص الرائي وقتًا للصمت والتأمل أو المشي في مكان هادئ، وأن يكتب ما يشغله ليخف عنه. ويفيد كذلك أن يشارك مشاعره مع شخص يثق به. ولا يصح اتخاذ قرار كبير بناء على الحلم وحده. وإن استمر الحزن فالكلام مع مختص مفيد.
هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن النظر في الواقع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا صور رمزية. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه صفاء القلب وسكينة النفس. ثم ليمض إلى يومه بتفاؤل معتدل. والله أعلم بالصواب.
