الضوء بين الأشجار في الغابة مشهد آسر تتسلل فيه الأشعة من فتحات الأغصان فترسم خطوطًا وبقعًا مضيئة على الأرض والجذوع. والرؤيا رمزية في أصلها، فلا تُفهم على أنها وعد بأمر محدد ولا خبر حرفي عن حدث قادم. وقد يراه الرائي خيوطًا ذهبية رقيقة، أو بقعة ضوء واسعة في وسط العتمة، أو ضوءًا بعيدًا عند نهاية ممر بين الأشجار. وتختلف المعاني بشدته ولونه وإحساس الرائي. ولذلك يحسن أن تبدأ القراءة من الشعور بالراحة أو الدهشة الذي صاحب المشهد.
الغابة تدل في الرموز على الحياة المتشعبة والبحث عن الاتجاه والخلوة، والضوء يدل على الوضوح والأمل والهداية والانفراج. فاجتماعهما قد يوحي بوضوح يلوح وسط التعقيد، أو بأمل يظهر بعد حيرة، أو بطريق يتبين تدريجيًا. وقد يرمز الضوء إلى فكرة أو معرفة أو شخص يقدم عونًا. وقد يدل على لطف خفي يحيط بالرائي في مرحلة غامضة. ويتغير المعنى بقوة الضوء ومصدره.
نُسب إلى ابن سيرين أن النور في المنام يدل على الهداية والعلم والانفراج، وأن زيادته تدل على زيادة في الخير بحسب حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضوء في موضع مظلم قد يدل على زوال الهم وظهور الحق، ويختلف المعنى بحسب شدته ومصدره. وتتفاوت الأقوال في التفاصيل، ولا يصح الجزم بوجه واحد. والضوء المتخلل بين أشجار الغابة بوصفه مشهدًا من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة. فتبقى هذه إشارات عامة تحتاج إلى قراءة بالسياق.
يتغير المعنى بحال الضوء ومصدره. فإن كان لطيفًا ذهبيًا يتسلل بهدوء فالأقرب أنه يدل على أمل وسكينة ووضوح تدريجي. وإن كان قويًا ساطعًا يبهر العين فقد يعبر عن فكرة كبيرة أو تغير سريع يحتاج إلى تأنٍّ. وإن كان بعيدًا عند نهاية ممر فقد يدل على هدف قريب أو أمل ينتظر المضي نحوه. وإن كان متقطعًا يظهر ويغيب فقد يعكس ترددًا بين الوضوح والحيرة.
إذا رأت العزباء الضوء بين الأشجار فقد يُفهم ذلك على أنه أمل يلوح في أمر كانت حائرة فيه، أو وضوح يتبين في قرار قريب. وإن كانت تمشي نحوه فربما عبر عن سعيها إلى هدف، وإن كانت تتأمله فقط فقد يعكس رغبتها في طمأنينة. وإن كان الضوء دافئًا فالمعنى أميل إلى الخير والتفاؤل. ولا يصح الربط بحدث أو شخص محدد. وعليها أن تقرأ الحلم تأملًا وأملًا هادئًا.
أما المتزوجة فقد يدل الضوء عندها على انفراج في شأن أسري أو وضوح في أمر كان معقدًا، أو على دفء المودة في البيت. وإن كان لطيفًا فالأقرب أنه يعبر عن طمأنينة، وإن كان باهرًا فقد يعكس تغيرًا يحتاج إلى استعداد. وإن كانت الرائية حاملًا فالغالب أن الحلم يعبر عن أملها وترقبها لما ينتظرها. ويجب التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا يدل على حال الحمل أو الصحة، والمرجع هو الطبيب. وعليها أن تحسن الظن بربها وتهتم براحتها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد يدل الضوء على وضوح في عمله أو قراره، أو أمل في أمر كان يشغله. والضوء الهادئ يُحمل على انفراج وهداية في التدبير، والساطع على فكرة كبيرة تحتاج إلى تأنٍّ. وإن كان أمام مفترق طرق فقد يكون الحلم صدى لرغبته في الوضوح. وللشاب قد يعبر عن أمل في المستقبل. وكل ذلك احتمالات لا تقطع بشيء.
للتفاصيل أثرها، فلون الضوء من ذهبي أو أبيض أو مخضر، وزاويته، وكثافة الأغصان التي يخترقها، وما يضيئه من أرض أو جذع أو ماء، كلها تضيف دلالات. والخيوط الرقيقة توحي بلطف وأمل، والبقع الواسعة بوضوح شامل. وإضاءة الماء أو الأزهار تميل إلى الجمال والصفاء، وإضاءة طريق تميل إلى الهداية. وكذلك وقت الحلم من فجر أو ظهيرة يغير الإحساس. وهل كان الرائي يمشي نحوه أو يقف يضيف معنى. وكلما حفظ الرائي ذلك كانت القراءة أقرب.
من الزاوية النفسية قد يعكس الحلم أملًا ينمو بعد حيرة، أو رغبة في وضوح وطمأنينة. ويفيد أن يخصص الرائي وقتًا للتأمل وكتابة ما صار أوضح له، وأن يخطو نحو هدفه بخطوات صغيرة. ويفيد كذلك أن يقدر ما أنجزه حتى الآن. ولا ينبغي بناء قرار مصيري على الحلم وحده. وإن لازمه إحباط شديد فالكلام مع مختص مفيد.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن النظر في الواقع. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على الرؤى يقين. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه البصيرة والانشراح. ثم ليمض في طريقه مطمئنًا. والله أعلم بالصواب.
