يتناول هذا التفسير تكرار رؤية الغابة في المنام، كأن يراها الرائي أكثر من مرة في ليالٍ متفرقة بالصورة نفسها أو بصور متقاربة. والأصل أن الرؤيا لغة رمزية تعبّر عن الأحوال النفسية والتصورات أكثر مما تخبر بوقائع محددة، فلا تُفهم على ظاهرها. وتكرار المشهد لا يعني بالضرورة أمرًا خطيرًا، فكثير من الناس تتكرر أحلامهم حين يشغلهم أمر معين. وما يأتي عرض لاحتمالات عامة تعين على التأمل دون جزم.
الغابة في الرموز مكان كثيف الأشجار متعدد الدروب، ترمز إلى الغموض والتشعب والبحث عن الاتجاه، وإلى الخلوة وصفاء الذهن. أما التكرار فيضيف إلى الرمز معنى الإلحاح والملازمة، فكأن ما تدل عليه الغابة فكرة لم تُحسم بعد تعود إلى الذهن كلما نام صاحبها. وقد يكون ذلك اهتمامًا حقيقيًا بقرار أو مرحلة، وقد يكون مجرد أثر لمشهد أعجبه فاستقر في الذاكرة. ويحدد الإحساس المصاحب وجهة المعنى، فالأنس بالتكرار يرجح الميل إلى الخلوة والتأمل، والانزعاج يرجح الانشغال بأمر معلق.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الشجر والبرية أن الشجر الأخضر الكثيف قد يدل على خير وسعة إذا خلا المشهد من الخوف، وأن الموحش قد يدل على هموم وانشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأشجار تعبّر عن الرجال والأعمال والأحوال بحسب نوعها وثمرها. أما تكرار الرؤية فتتفاوت فيه الآراء، فبعضهم يراه تأكيدًا على الاهتمام بالمعنى، وبعضهم يرى أنه انعكاس لانشغال الذهن. والغابة المتكررة بوصفها مشهدًا مستقلًا لم تُفرد لها أبواب مفصلة في الكتب القديمة، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا عند المتقدمين.
وللسياق أثر في الترجيح. فإذا كانت الغابة في كل مرة مضيئة هادئة فهي تُقرأ غالبًا على أنها ميل إلى السكينة أو رغبة في فسحة من التأمل، وإذا كانت في كل مرة مظلمة فقد تعكس انشغالًا بأمر لم يجد له الرائي مخرجًا. وإذا تغيرت تفاصيلها من مرة إلى أخرى نحو الوضوح فقد يدل ذلك على تقدم تدريجي في فهم الأمر. وإذا بقيت كما هي فقد تعني أن المسألة ما زالت تنتظر قرارًا.
وفي حق العزباء قد يدل تكرار الغابة على فكرة تتعلق بمستقبلها لم تحسمها بعد، وفي حق المتزوجة قد يعبّر عن شأن من شؤون الأسرة يعود إلى ذهنها كلما هدأت. وإذا شعرت بالأنس فالمعنى أقرب إلى الميل إلى التأمل، وإذا شعرت بالقلق فهو أقرب إلى الحاجة إلى حسم أمر معلق. ولا يصح أن تُسقط الرائية المعنى على شخص بعينه من المحيطين بها.
وفي حق الرجل قد يدل تكرار الغابة على التزام أو مشروع يشغل باله، وفي حق الحامل قد يعبّر عن كثرة التفكير في هذه المرحلة وتقطع النوم، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا دليلًا على حال الحمل. وفي حق الطالب قد يدل على قرار دراسي معلق. وفي حق المهموم قد يعبّر عن فكرة تلازمه. وكلها احتمالات عامة لا يلزم أن تتحقق.
وإذا تكررت الغابة بالتفاصيل نفسها فقد يُحمل ذلك على انشغال بأمر محدد، وإن تغيرت التفاصيل وبقي الإحساس نفسه فقد يدل على حالة نفسية عامة. وإذا صار الرائي يجد في كل مرة دربًا جديدًا فقد يعبّر ذلك عن تقدم في التفكير. وإذا كان يقف عند المكان نفسه في كل مرة فقد يشير إلى نقطة عالقة بعينها. وهي كلها قراءات رمزية عامة لا تقطع بشيء.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تستحق التدوين مقدار ما يتبدل من مشهد إلى آخر: هل الأشجار أكثر أم أقل، وهل الضوء أوضح أم أخفت، وهل الرائي أقرب أم أبعد. فالتدرج نحو الوضوح يوحي بتقدم، والتدرج نحو العتمة يوحي بتراكم. وتبقى هذه الدقائق قرائن صغيرة تُستأنس بها ولا يُبنى عليها حسم منفرد. ويفيد أن يدوّن الرائي ما يتذكره عقب الاستيقاظ.
ومن الناحية النفسية تتكرر الأحلام عادة حين يكون في الذهن أمر معلق أو شعور لم يُعبَّر عنه، فالعقل يعيد الصورة نفسها كلما عاد إلى ذلك الأمر. ويفيد حينئذ تحديد ما يشغل البال بوضوح وكتابته، وتقسيمه إلى خطوات، وطلب مشورة من يوثق به. وإن تكررت الأحلام المزعجة بحيث أثرت في النوم والنهار فاستشارة مختص مفيدة. وإن بقي بعد الاستيقاظ ارتياح فهو أقرب إلى المعاني الطيبة. ولا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري ولا ظن بأحد.
وفي الختام يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، وتتفاوت فيه الآراء. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدع بخير قائلًا اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وأنزل على صاحبها السكينة. وليبقَ في القلب أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُجزم بما سيكون، وفي حسن الظن بالله طمأنينة تكفي.
