يتناول هذا التفسير مشهد غابة تحيط بالرائي في المنام، كأنه في وسطها والأشجار من كل جهة حوله. والأصل أن الرؤيا لغة رمزية تعبّر عن الأحوال النفسية والتصورات أكثر مما تخبر بوقائع محددة، فلا تُفهم على ظاهرها. وقد يحمل المشهد الواحد عند شخصين معنيين مختلفين بحسب ظروفهما وما يشغلهما. وما يأتي عرض لاحتمالات عامة تعين على التأمل دون جزم بشيء منها.
الغابة في الرموز مكان كثيف الأشجار متعدد الدروب، فهي ترمز إلى الغموض والتشعب والبحث عن الاتجاه، وإلى الخلوة وصفاء الذهن. أما الإحاطة فتضيف إلى الرمز معنى الشمول والاكتناف، فكأن ما تدل عليه الغابة يحيط بالرائي من كل ناحية. وقد يكون ذلك إحساسًا بكثرة المسؤوليات والعلاقات التي تحف به، وقد يكون إحساسًا بالأنس والستر وسط كثافة آمنة. ويحدد شعوره وجهة المعنى، فالطمأنينة ترجح الأنس والسعة، والضيق يرجح الانشغال والحصار النفسي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الشجر والبرية أن الشجر الأخضر الكثيف حول الإنسان قد يدل على كثرة أهل وأعوان وخير إذا خلا المشهد من الخوف، وأن الموحش قد يدل على هموم وانشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأشجار تعبّر عن الرجال والأعمال والأحوال بحسب نوعها وثمرها. والغابة المحيطة بوصفها مشهدًا مستقلًا لم تُفرد لها في الكتب القديمة أبواب مفصلة في الغالب، فتُقاس على نظائرها. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا عند المتقدمين، ولذلك تكثر فيها الأقوال المتباينة.
ولحال الغابة المحيطة أثر في ترجيح المعنى. فإذا كانت خضراء مضيئة تتخللها فسحات وأصوات طيور فهي تُقرأ غالبًا على أنها كثرة نعمة وأنس وتعدد في الفرص، وإذا كانت داكنة متلاصقة لا يظهر منها مخرج فقد تعكس شعورًا بالانشغال الشديد. ووجود درب واضح بين الأشجار يميل بالمعنى نحو الانفراج، وغيابه يميل به نحو الحيرة. وكذلك قرب الأغصان من الجسد، فالأغصان المتباعدة توحي بسعة.
وفي حق العزباء قد تدل الغابة المحيطة على كثرة الآراء والخيارات من حولها وشعور بالتزاحم في اتخاذ قرارها، وفي حق المتزوجة قد تعبّر عن إحاطة المسؤوليات الأسرية بها من كل جانب. وإذا شعرت بالأنس فهو أقرب إلى معنى الاحتواء والسند، وإذا شعرت بالاختناق فهو أقرب إلى معنى الحاجة إلى التخفف. ولا يصح أن تُسقط الرائية المعنى على شخص بعينه من المحيطين بها.
وفي حق الرجل قد تدل الغابة المحيطة على التزامات متراكمة من عمل وأسرة وعلاقات تحتاج إلى ترتيب، وفي حق الحامل قد تعبّر عن اهتمام المحيطين بها أو عن كثرة الأفكار في هذه المرحلة، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا دليلًا على حال الحمل. وفي حق الطالب قد تدل على تزاحم المواد والمهام. وفي حق المهموم قد تعبّر عن تشابك الأفكار حوله. وكلها احتمالات عامة لا يلزم أن تتحقق.
وإذا حاول الرائي الخروج فوجد منفذًا فذلك يُحمل غالبًا على انفراج بعد صبر وتأمل، وإن بقي مكانه ساكنًا مطمئنًا فقد يدل على رضا بما هو فيه. وإذا ضاقت عليه الأشجار تدريجيًا فقد يشير ذلك إلى أمر يتراكم ويحتاج إلى معالجة مبكرة. وإذا ازدادت الفسحة حوله فقد يعبّر ذلك عن تحسن في الشعور بالسعة. وهي كلها قراءات رمزية عامة لا تقطع بشيء.
ومن التفاصيل الدقيقة ارتفاع الأشجار وكثافة أوراقها وما يتخللها من ضوء. فالأشجار الباسقة تحيط بالرائي بإحساس الحماية والسند، والأشجار المنخفضة المتشابكة تحيط به بإحساس الكثافة. والضوء المتسلل من بين الأوراق يخفف الضغط ويزيد الأمل، والعتمة تزيد الحيرة. وصوت الماء القريب يوحي بالراحة، والصمت الطويل يوحي بالترقب. ويُستأنس بهذه الدقائق في تكوين صورة عامة ولا يُبنى على واحدة منها معنى منفرد.
ومن الناحية النفسية قد تظهر الغابة المحيطة حين يشعر الإنسان بأن الالتزامات والأفكار تحيط به من كل جانب، فالعقل يصوغ هذا الإحساس في صورة أشجار تكتنفه. ويفيد حينئذ كتابة ما يشغله وترتيبه بحسب الأهمية، وطلب العون ممن يثق بهم، وتخصيص وقت للراحة. وإن بقي بعد الاستيقاظ ارتياح فهو أقرب إلى المعاني الطيبة، وإن بقي ثقل فليُترجم إلى خطوة عملية هادئة. ولا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري ولا ظن بأحد من المحيطين. والمقصود منها فهم الذات وتهدئتها.
وفي الختام يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، وتتفاوت فيه الآراء. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدع بخير قائلًا اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وأنزل على صاحبها السكينة وسعة الصدر. وليبقَ في القلب أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُجزم بما سيكون، وفي حسن الظن بالله طمأنينة تكفي.
