رؤية الحديقة بعد الظهر في المنام صورة هادئة، فالشمس في وسط السماء والظل يمتد تحت الأشجار والجو دافئ مريح. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية وليست حرفية، ولا تدل على أمر محدد في الواقع. فالمنام يجمع صورًا من الذاكرة والمشاعر، وقد يحضر وقت النهار بحسب ما اعتاده الإنسان من أنشطة وفترات راحة. وتُفسَّر الحديقة هنا كمكان دنيوي عادي. ولذلك يُقرأ التأويل بهدوء ودون تعلق مفرط بالتفاصيل، وما يُذكر هنا احتمالات عامة بحسب حال الرائي.
الحديقة في الرمزية العامة مكان تجتمع فيه الخضرة والظل والترتيب، فتشير إلى السكينة والعناية وحسن التدبير. أما فترة ما بعد الظهر فهي في الغالب منتصف النهار وما بعده، وقت يرتبط بالاستراحة بعد جهد صباحي وبمتابعة ما بقي من الأعمال. فإذا اجتمع الأمران فقد يُفهم أن الرائي في مرحلة وسطى من أمر يعمل عليه، يحتاج فيها إلى استراحة قصيرة ثم استمرار. وقد تدل أيضًا على نضج وثبات. ولا يصح الجزم بمعنى واحد ولا التهويل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحديقة أو البستان قد تدل على خير وسعة وصحبة طيبة، وأن الأشجار المثمرة تُحمل على النفع والفائدة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخضرة والثمر يُحملان على طيب العيش وانشراح الحال، وأن اليبس يُحمل على قلة أو تعب. وتختلف الآراء بين أهل التعبير في اعتبار وقت الرؤيا، ولا يوجد اتفاق على أن لوقت معين أثرًا قاطعًا. كما أن تحديد الحديقة بعد الظهر أقل تناولًا في الكتب القديمة بصورة مفصلة، فيبقى للاجتهاد مجال. ولذلك يُستأنس بما نُقل ولا يُجعل فيصلًا في الرؤيا.
يتغير التأويل بتغير السياق، فيُنظر إلى هيئة الضوء والحرارة، هل الجو لطيف مظلل أم حار مرهق، وإلى حال الحديقة، هل هي مرتبة خضراء أم جافة. ويُنظر إلى ما كان يفعله الرائي، هل يستريح تحت شجرة أم يعمل أم يتنزه مع أهله. ويُنظر كذلك إلى شعوره، هل هو ارتياح ودفء أم تعب وضيق. وتجتمع هذه القرائن لتكون أوضح من تفصيلة واحدة. فالظل اللطيف والارتياح أقرب إلى المعاني الحسنة.
وإذا رأى الرائي حديقة بعد الظهر وهو يجلس في ظلها فقد يُحمل ذلك على راحة بعد جهد وطمأنينة وسند، دون الجزم بحدث معين. وإذا كانت الشمس شديدة فقد يُحمل على حاجة إلى استراحة قبل المواصلة. وإذا كان يعمل في الحديقة فقد يُحمل على جهد مستمر يثمر مع الوقت. وإذا كان يأكل أو يتناول شيئًا مع أهله فقد يُحمل على ألفة واجتماع. وهذه كلها احتمالات تأويلية لا أكثر.
وقد يختلف المعنى بحسب نوع الرائي، فالمرأة المتزوجة قد يُحمل ذلك عندها على استراحة وسط عمل البيت، والعزباء على فترة هادئة في منتصف مشروع أو دراسة، والرجل على استراحة وسط عمل يومه. وقد يُحمل عند الطالب على حاجة إلى فاصل راحة بين مذاكرتين، وعند التاجر على استراحة وسط يوم عمل، وعند كبير السن على أنس وهدوء. ويبقى الأساس أن الحلم رمزي يعبّر عن اتجاه عام.
ومن التفاصيل الدقيقة موضع الشمس وطول الظل، فالظل الممتد الوارف يُحمل على الأمان والراحة، والضوء القوي على وضوح ونشاط، والجو الدافئ على ارتياح. وإذا كانت الأزهار مفتحة فقد تُحمل على بهجة، وإذا كانت الثمار ناضجة فقد تُحمل على فائدة بعد جهد. وإذا كان الجو خانقًا فقد يدل على ضغط مؤقت يحتاج إلى تهدئة. وإذا هبت نسمة فقد تدل على تخفيف. وتبقى هذه قرائن مساعدة لا تُحمَّل أكثر من احتمالها.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى استراحة في منتصف يومه أو إلى موازنة بين الجهد والراحة. ويحسن أن يخصص وقتًا قصيرًا للراحة بعد الظهر، وأن يشرب الماء ويتناول ما ينفعه من طعام، وأن يتنفس بهدوء قبل مواصلة العمل. كما يحسن أن ينظم أعماله بحيث لا تكتظ في وقت واحد. وإذا غلب عليه الإرهاق المستمر فالأولى أن يتكلم مع شخص يثق به أو مختص. فالحلم صورة مريحة لا تغني عن التخطيط.
ويبقى أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ويختلف فيه أهل التعبير. فالأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالتفاؤل وحسن الظن بالله، وأن يدعو ربه بالبركة في وقته وجهده وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا تُبنى على الحلم قرارات مصيرية ولا يُقطع به في أمر مستقبل. وإذا رأى ما يسره فليشكر الله عليه، وإذا رأى ما يشغله فليمضِ في يومه بثقة وهدوء. والله أعلم.
