الخوف من الحديقة في المنام صورة قد تزعج الرائي لأنها تعكس شعورًا غير مريح داخل مكان يُفترض أن يكون هادئًا. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية وليست حرفية، ولا تدل على سوء أو شر في الواقع. فالمنام يجمع مشاعر النهار وما يشغل البال، وقد يظهر القلق فيه بصور متنوعة حتى في الأماكن المألوفة. ولذلك يُقرأ التأويل بهدوء وطمأنينة، دون تهويل. وما يُذكر هنا احتمالات عامة بحسب حال الرائي.
الحديقة في الرمزية العامة مكان تجتمع فيه الخضرة والظل والترتيب، فتشير إلى السكينة والعناية وحسن التدبير. فإذا اقترن بها الخوف فقد يُفهم أن الرائي يشعر بتردد تجاه أمر يتصل بالراحة أو الاستقرار أو التغيير. وقد يعبّر ذلك عن قلق من مسؤولية جديدة، أو رغبة في الهدوء مع شعور بعدم الاطمئنان إليه. ويختلف المعنى بحسب حال الحديقة وحجم الخوف وسببه. ولا يصح الجزم بمعنى واحد ولا التهويل في أي اتجاه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخوف في المنام قد يدل على أمان بعد قلق، وأن الحديقة أو البستان قد تدل على خير وسعة وصحبة طيبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخوف في الرؤيا قد يُحمل على طمأنينة قادمة في بعض السياقات، وقد يُحمل في سياقات أخرى على هم وانشغال. وتختلف الآراء بين أهل التعبير في هذه المعاني اختلافًا واضحًا، ولا يوجد قول جامع. كما أن الخوف من الحديقة بالذات صورة أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى للاجتهاد مجال واسع. ولذلك يُستأنس بما نُقل ولا يُجعل فيصلًا في الرؤيا.
يتغير التأويل بتغير السياق، فيُنظر إلى سبب الخوف، هل هو من الظلام أم من الاتساع أم من الصمت أم من شيء غير واضح. ويُنظر إلى حال الحديقة، هل هي خضراء مرتبة أم مهملة كثيفة. ويُنظر كذلك إلى ما فعله الرائي، هل ظل في مكانه أم مشى أم خرج منها بهدوء. ويُنظر إلى شعوره عند الاستيقاظ، فإن زال الخوف سريعًا فهو أثر عابر، وإن بقي فقد يكون من ضغط يومي يحتاج إلى عناية. وتجتمع هذه القرائن لتكون أوضح من تفصيلة واحدة.
وقد يختلف الأمر بحسب حال الرائي، فالمرأة المتزوجة قد يكون خوفها صدى لانشغالها بالبيت والأسرة، والعزباء صدى لتفكيرها في المستقبل، والرجل صدى لضغط العمل والمسؤولية. وقد يكون عند الحامل مرتبطًا بالترقب الطبيعي لهذه المرحلة، دون دلالة صحية، والحلم ليس نصيحة طبية. وقد يكون عند الطالب مرتبطًا بالامتحانات، وعند التاجر بحسابات العمل. وكل ذلك في دائرة الانعكاس النفسي العام لا التنبؤ.
وإذا رأى الرائي أنه يخاف ثم يهدأ تدريجيًا وهو في الحديقة فقد يُحمل ذلك على أن القلق يخف مع الوقت والتعوّد. وإذا رأى أنه يخرج منها بسهولة فقد يُحمل على قدرته على تجاوز ما يشغله. وإذا خاف من شيء داخلها فالأولى أن يُحمل على تضخم الأفكار وقت النوم لا على وجود خطر حقيقي. ولا يصح أن يُستدل بالحلم على اتهام شخص أو على توقع أمر سيئ. فالأصل في الرؤيا الرمزية أن تُحمل على أحسن الوجوه المحتملة.
ومن التفاصيل الدقيقة وقت الحلم وإضاءته وصوته، فالحديقة المظلمة الصامتة تُحمل على غموض في أمر قيد التفكير، والمضيئة على وضوح قريب. وإذا كانت الأشجار كثيفة جدًا فقد يشير ذلك إلى انشغال بتفاصيل كثيرة، وإذا كانت المساحة واسعة فقد تشير إلى كثرة الخيارات. وإذا كان معه شخص مألوف فقد يعني حاجة إلى دعم، وإذا كان وحده فقد يعني حاجة إلى ثقة بالنفس. وتبقى هذه قرائن مساعدة لا تُحمَّل أكثر من احتمالها.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعبّر الحلم عن قلق متراكم يحتاج إلى تفريغ وراحة. ويحسن أن ينظم الرائي نومه وأن يخفف من المنبهات والسهر، وأن يمشي في مكان أخضر نهارًا ليعتاد على الأمان في المكان نفسه. كما يحسن أن يكتب ما يشغله ويقسمه إلى خطوات صغيرة، وأن يتكلم مع شخص يثق به. وإذا تكررت الأحلام المخيفة أو أثرت في نومه وعمله فالأولى أن يستشير مختصًا نفسيًا. فالحلم ليس تشخيصًا ولا نصيحة طبية.
ويبقى أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ويختلف فيه أهل التعبير. فالأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالطمأنينة وحسن الظن بالله، وأن يدعو ربه بالأمان والسكينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا تُبنى على الحلم قرارات مصيرية ولا يُقطع به في أمر مستقبل. وإذا رأى ما يقلقه فليمضِ في يومه بثقة، فالأحلام صور متقلبة لا تحمل خبرًا مؤكدًا. والله أعلم.
