رؤية حديقة بألوان غريبة في المنام صورة لافتة، لأن الأشجار والأزهار تظهر بألوان غير مألوفة كالأزرق الداكن في الأوراق أو البنفسجي في الأرض أو الألوان المتدرجة. ومع ذلك فهي رؤيا رمزية وليست حرفية، ولا تدل على أمر محدد في الواقع. فالمنام كثيرًا ما يخلط الألوان والأشكال بحسب ما في الذاكرة والمشاعر، فتأتي صور لا وجود لها في الواقع. وتُفسَّر الحديقة هنا كمكان دنيوي عادي لا أكثر. ولذلك يُقرأ التأويل بهدوء ودون تعلق مفرط بالتفاصيل.
الحديقة في الرمزية العامة مكان تجتمع فيه الخضرة والظل والترتيب، فتشير إلى السكينة والعناية وحسن التدبير. أما الألوان في المنام فتُحمل على المشاعر والأفكار، فاللون المبهج يُحمل على الفرح، واللون الهادئ على السكينة، واللون الداكن على انشغال أو تأمل. فإذا اجتمعت الألوان الغريبة في الحديقة فقد يُفهم أن الرائي يمر بتنوع في أفكاره ومشاعره وخياله. وقد تدل أيضًا على إبداع أو رغبة في التجديد. ولا يصح الجزم بمعنى واحد ولا التهويل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الألوان في المنام لها دلالات تختلف بحسب اللون والسياق، وأن الحديقة أو البستان قد تدل على خير وسعة وصحبة طيبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخضرة والثمر يُحملان على طيب العيش وانشراح الحال، وأن اليبس يُحمل على قلة أو تعب. وتختلف الآراء بين أهل التعبير في هذه المعاني اختلافًا واضحًا، ولا يوجد قول جامع. كما أن الألوان الغريبة وغير الموجودة في الطبيعة أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُترك فيها مجال أوسع للاجتهاد. ولذلك يُستأنس بما نُقل ولا يُجعل فيصلًا في الرؤيا.
يتغير التأويل بتغير السياق، فيُنظر إلى شعور الرائي أمام الألوان الغريبة، هل هو إعجاب ودهشة مريحة أم حيرة وقلق. ويُنظر إلى انسجام الألوان، هل هي متناسقة هادئة أم متنافرة صاخبة. ويُنظر كذلك إلى حال الحديقة ونظافتها وخضرتها وما فيها من ممرات. وتجتمع هذه القرائن لتكون أوضح من تفصيلة واحدة. فالدهشة المريحة والألوان المتناسقة أقرب إلى المعاني الحسنة، والحيرة قد تكون أثر كثرة المؤثرات قبل النوم.
وإذا رأى الرائي حديقة بألوان زاهية غير مألوفة فقد يُحمل ذلك على خيال خصب وبهجة وانفتاح على تجارب جديدة، دون الجزم بحدث معين. وإذا كانت الألوان هادئة متدرجة فقد يُحمل على سكينة وتأمل. وإذا كانت داكنة فقد يُحمل على انشغال بأمر يحتاج إلى تفكير. وإذا تغيرت الألوان أمامه فقد يُحمل على تغير في المشاعر أو المزاج مع الوقت. وهذه كلها احتمالات تأويلية لا أكثر، ولا تعني حدوث شيء بعينه.
وقد يختلف المعنى بحسب نوع الرائي، فالمرأة المتزوجة قد يُحمل ذلك عندها على تنوع في شؤون بيتها وأسرتها، والعزباء على خيال وآمال متعددة، والرجل على أفكار وطموحات متنوعة. وقد يُحمل عند الطالب على اتساع في الفهم والخيال، وعند الفنان على إبداع، وعند الحامل على مشاعر متقلبة طبيعية دون دلالة صحية، والحلم ليس نصيحة طبية. ويبقى الأساس أن الحلم رمزي يعبّر عن اتجاه عام.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع اللون وموضعه، فالأخضر المعتاد يُحمل على الحياة والنمو، والأزرق على الهدوء، والأصفر على الدفء، والأحمر على الحيوية، والأبيض على الصفاء، والبنفسجي على التأمل. وإذا كانت الألوان على الأزهار فقد تُحمل على البهجة، وإذا كانت على الأرض والسماء فقد تُحمل على شعور عام بالمزاج. وإذا اختلطت الألوان في لوحة واحدة فقد يدل ذلك على تنوع في الأفكار. وهذه الدلالات اجتهادات لا قواعد ثابتة، وتبقى قرائن مساعدة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعبّر الحلم عن خيال واسع أو مزاج متقلب أو كثرة مؤثرات بصرية في اليوم، كالشاشات والألوان الكثيرة. ويحسن أن يخفف الرائي من الشاشات قبل النوم، وأن ينظم نومه وطعامه، وأن يخصص وقتًا للمشي في مكان أخضر طبيعي. كما يحسن أن يستثمر خياله في عمل أو هواية نافعة، فالصور الغريبة قد تكون مادة للإبداع. وإذا أزعجته الأحلام كثيرًا فالأولى أن يتكلم مع شخص يثق به أو مختص. فالحلم ليس تشخيصًا ولا نصيحة طبية.
ويبقى أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ويختلف فيه أهل التعبير. فالأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالتفاؤل وحسن الظن بالله، وأن يدعو ربه بالخير والسكينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا تُبنى على الحلم قرارات مصيرية ولا يُقطع به في أمر مستقبل. وإذا رأى ما يسره فليشكر الله عليه، وإذا رأى ما يشغله فليمضِ في يومه بثقة وهدوء. والله أعلم.
