من رؤى المطر غير المريحة أن يرى الإنسان مطراً ينزل بلون أسود داكن أو مختلطاً بما يشوبه من أوساخ وروائح كريهة، فيصل إلى الأرض أو يلامس جسد الرائي بهذه الصورة غير المعتادة وغير النقية. وهي رؤية تترك شعوراً بالاشمئزاز أو القلق لدى من يراها، لكونها تخالف الصورة المألوفة للمطر النقي الصافي. ومع هذا الشعور، يجب التذكير بأن تفسير الأحلام اجتهاد ظني احتمالي، وأن ما سيُذكر من معانٍ ليس حكماً قاطعاً، بل قراءة رمزية قد تصيب وقد تخطئ بحسب سياق كل رؤيا وتفاصيلها الخاصة.
وإذا كان الماء الصافي يرمز إلى الرحمة والرزق والطهارة، فإن تلوثه أو اسوداده في الرؤيا يُقرِّب المعنى عند من يقرأ الرموز إلى شائبة تخالط خيراً كان يُفترض أن يكون صافياً، كرزق يأتي مصحوباً بشبهة، أو علاقة فيها بعض الغش أو عدم الصفاء، أو كلام يُقال عن الرائي فيه زيف أو نميمة. وقد يُنظر إليه أيضاً كرمز لحالة نفسية مكدرة يعيشها الرائي في يقظته، أو قلق داخلي يشوب فرحته بأمر معين، فيظهر في منامه هذا الخلل في صورة المطر الملوث بدل صفائه المعتاد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الماء الكدر في المنام يدل على كدر في الرزق أو الحال، بخلاف الماء الصافي الذي يدل على صفاء العيش، وذهب بعض من نُسب إليهم النابلسي إلى أن تغير لون الماء إلى السواد قد يدل على همّ أو حزن يعتري الرائي، وهذه الأقوال اجتهادية ظنية ينبغي عدم الجزم بها، إذ قد يكون سواد المطر في رؤيا بعينها مجرد انعكاس لمشهد ليلي مألوف لا يحمل دلالة سلبية مقصودة أصلاً.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب شدة التلوث ومدى تأثر الرائي به مباشرة؛ فإن كان التلوث خفيفاً لا يلامس الرائي مباشرة، كانت الدلالة أقرب إلى كدر عابر سرعان ما يزول. وإن كان الرائي يبتل مباشرة بهذا الماء الأسود، فقد تحمل الرؤيا بعداً أعمق يستدعي تأملاً في أمر يخص الرائي شخصياً، كصحة قد تحتاج عناية، أو علاقة تحتاج إلى مراجعة. كذلك يُراعى شعوره أثناء الحلم، فإن كان شديد الانزعاج دل ذلك على ثقل الأمر عليه، وإن كان هادئاً رغم ذلك فقد يحمل تقبلاً داخلياً لتجاوز الأمر بسهولة أكبر.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، فقد يُقرَّب هذا المشهد إلى كلام غير مريح يصلها عن نفسها أو قلق من أمر لم يتضح بعد. وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فقد تحمل الرؤيا معنى كدر عابر في حياتها الزوجية أو الأسرية يستدعي الحوار والمعالجة الهادئة. وأما الرجل فقد يُنظر إلى هذه الرؤيا في حقه على أنها تنبيه إلى شبهة في مصدر رزقه تستحق المراجعة والتدقيق. وأما الحامل، فقد يُقرَّب هذا المشهد إلى قلق عابر يخص صحتها أو حملها، وينبغي عليها التأكد من حالتها الصحية طبياً دون أن تحمل الرؤيا أكثر من طاقتها كرمز نفسي عابر.
ومن التفاصيل التي تُضيف دقة للتأويل، درجة سواد الماء وهل كان أسود تماماً أم كدراً فقط، ومصدر هذا اللون في الحلم إن ظهر، وهل زال التلوث قبل نهاية الرؤيا وعاد الماء صافياً أم استمر على حاله، فعودة الصفاء في آخر الحلم تحمل بشرى بزوال الكدر الذي صاحب بداية الرؤيا.
ومن المفيد أيضاً أن يراجع الرائي حاله الصحي والنفسي عند تكرر هذا النوع من الرؤى المزعجة، إذ إن بعض الباحثين في الرمزية الشعبية يربطون بين الصور الكريهة في المنام كالماء الأسود أو الملوث وبين انشغال فكري أو توتر داخلي يحمله الرائي في يقظته دون أن يفصح عنه لنفسه بوضوح، فيظهر هذا التوتر في صورة حسية مزعجة أثناء النوم. وهذا لا يعني وجود أمر خطير بالضرورة، بل قد يكون مجرد انعكاس عابر لظرف ضاغط مؤقت سرعان ما يزول بزواله. ويبقى الأصل في كل هذا عدم المبالغة في القلق، فكثير من هذه الرؤى لا تتجاوز كونها معالجة ذهنية لمشاعر يومية عادية.
وفي الختام، يبقى كل ما ذُكر اجتهاداً بشرياً ظنياً يحتمل الخطأ، ولا يصح أن يكون مصدر قلق دائم أو هَلَعٍ غير مبرر. والأولى بمن رأى هذه الرؤيا أن يستغفر الله، ويتصدق إن استطاع، ويحسن الظن بربه، فإن الله يكشف كل كدر ويرد الأمور إلى صفائها لمن توكل عليه ولجأ إليه بالدعاء.
وفي كل الأحوال، فإن اللجوء إلى الله بالذكر والدعاء عند رؤية ما يزعج النفس في المنام هو الملاذ الأول والأخير، فهو سبحانه كاشف الضر ومزيل الهم عمن توكل عليه وأحسن الظن به في جميع أحواله.
