من رؤى المطر التي تحمل مزيجاً من المشاعر أن يرى الإنسان نفسه يبكي وهو واقف تحت المطر، فتختلط دموعه بقطرات الماء المنهمرة حتى يصعب التمييز بينهما، وهو مشهد يحمل كثافة شعورية خاصة تترك أثراً واضحاً في نفس الرائي بعد استيقاظه. وقبل الخوض في معانيه، يجب التأكيد أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني احتمالي، وما سيُذكر هنا قراءة رمزية لا حكم قاطع على حال الرائي النفسي أو مستقبله.
ويحمل البكاء في المنام دلالات متعددة تتراوح بين الحزن والتفريغ النفسي من جهة، والفرح الشديد الذي يُخرج الدمع أحياناً من جهة أخرى، فإذا اجتمع مع المطر الذي يرمز إلى الرحمة، فقد يُقرَّب عند من يقرأ الرموز إلى تفريغ انفعالي ضروري يسبق مرحلة من الراحة النفسية، أو تطهراً من حزن قديم تزامن مع رحمة تنزل على الرائي في الوقت نفسه. وقد يُنظر إليه أيضاً كرمز لبكاء الفرح الذي يعقب تحقق أمنية طال انتظارها، فيختلط الحزن القديم بالفرح الجديد في مشهد واحد متكامل المعنى.
وقد نُسب إلى بعض من تناول رمزية البكاء في المنام أن دموع الحزن إذا صاحبها شعور بالراحة بعدها تدل على زوال الهم وتفريغ ما كان مكبوتاً، وأن اقتران ذلك بالمطر يُقوّي هذا المعنى لما يحمله الماء من رمزية التطهر والتجدد، وهذا اجتهاد ظني متداول بين من يقرأ الرمزية الشعبية، لا نص قطعي ثابت، فيُؤخذ كاحتمال تفسيري يحتاج إلى مراعاة سياق كل رؤيا على حدة.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب شعور الرائي بعد البكاء؛ فإن شعر بالراحة والخفة بعد دموعه، كانت الدلالة أقرب إلى زوال همّ كان يثقل كاهله. وإن استمر شعوره بالثقل والحزن حتى بعد البكاء، فقد تحمل الرؤيا بعداً يستدعي مزيداً من الاهتمام بحالته النفسية والبحث عن أسباب هذا الحزن العميق ومعالجتها بجدية أكبر. كذلك يُراعى هل كان وحيداً وهو يبكي أم وجد من يواسيه، فوجود من يواسيه في الحلم يحمل بشرى بوجود سند حقيقي له في واقعه يحتاج إلى الاستعانة به.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، فقد يُقرَّب هذا المشهد إلى تفريغ مشاعر مكبوتة تجاه أمر عاطفي أو اجتماعي يشغلها. وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فقد تحمل الرؤيا معنى تنفيس عن ضغط تعيشه في حياتها الأسرية يحتاج إلى معالجة. وأما الرجل فقد يُنظر إلى هذه الرؤيا في حقه على أنه يحمل هماً داخلياً يحتاج إلى التعبير عنه بدل كبته باستمرار. وأما الحامل، فقد يُقرَّب هذا المشهد إلى تقلبات مشاعرها الطبيعية خلال فترة الحمل، وحاجتها إلى من يدعمها ويخفف عنها هذه الحساسية الزائدة.
ومن التفاصيل المهمة في هذه الرؤيا، شدة البكاء ومدته، وهل توقف تدريجياً مع توقف المطر أم استمر بعده، وهل صاحب البكاء ابتسامة خفية تدل على مشاعر مختلطة، فظهور هذا المزيج يحمل دلالة على تعقيد المشاعر التي يعيشها الرائي، والتي قد تجمع بين الحزن والأمل في آن واحد دون تناقض حقيقي بينهما.
ويرى بعض من يتأمل هذا النوع من الرؤى أن البكاء في المنام، حتى وإن بدا مؤلماً في لحظته، غالباً ما يحمل أثراً إيجابياً بعد ذلك، شبيهاً بما يشعر به الإنسان بعد بكاء حقيقي في يقظته من راحة وخفة، وهذا يدعو الرائي إلى عدم الخوف من مشاعره أو كبتها، بل التعامل معها بصدق وتعبير صحي يساعده على تجاوز ما يثقل قلبه من أحزان قديمة أو حديثة.
ومن المفيد أيضاً أن يتأمل الرائي في طبيعة علاقته بمشاعره في واقعه اليومي، فإن كان ممن يعتاد كبت أحزانه دون تعبير حقيقي عنها، كانت هذه الرؤيا تذكيراً صحياً بأهمية إطلاق العنان لمشاعره من وقت لآخر، فالبكاء في حد ذاته ليس ضعفاً بل وسيلة فطرية لتفريغ الشحنات النفسية المتراكمة. ويرى بعض من يتأمل هذا النوع من الرؤى أن اختلاط الدموع بماء المطر في المشهد يحمل رمزية جميلة لتداخل مشاعر الرائي الداخلية مع رحمة خارجية تحيط به، وكأن الكون كله يشاركه لحظته الحساسة بلطف وتعاطف صامت.
وفي الختام، تبقى كل هذه المعاني اجتهاداً بشرياً ظنياً يحتمل الخطأ والصواب. وعلى من رأى هذه الرؤيا ألا ينزعج من مشاعره، بل يتعامل معها بحكمة وصدق، ويلجأ إلى الله بالدعاء ليطمئن قلبه ويزيل عنه كل حزن يُثقله، فإن الله قريب مجيب لمن دعاه بصدق. وفي كل الأحوال يبقى الدعاء والذكر خير معين على تجاوز كل ضيق نفسي يعتري القلب في أي وقت من الأوقات.
