يحتل المطر مكانة خاصة بين رموز الأحلام لما يحمله من معانٍ متعددة ومتشعبة يصعب حصرها في دلالة واحدة جامدة، فهو تارة بشارة رزق، وتارة رمز رحمة، وتارة إشارة إلى دموع مكتومة، وتارة أخرى علامة تطهر وتجدد، وهذا التنوع الثري في دلالاته هو ما يجعل كل رؤية من رؤاه تستحق النظر في سياقها الخاص قبل الجزم بمعنى واحد ثابت لها، ومن الأهمية بمكان التأكيد في هذا السياق الجامع أكثر من أي موضع آخر أن تفسير الأحلام علم ظني تقريبي قائم على الاستئناس بالرمز لا على القطع واليقين، وأن ما سيُستعرض هنا إنما هو خلاصة جامعة لأبرز المعاني لا حكم نهائي يصلح لكل حالم في كل حال. فالمطر في أصل دلالته الأشمل يرمز إلى الرحمة النازلة من عند الله على عباده، وهو تجسيد رمزي لقوله تعالى في وصف نعمه التي تحيي الأرض بعد موتها، فحين يرى الإنسان المطر في منامه هادئاً متدرجاً فإن الغالب أن يحمل بشارة برزق قادم أو فرج بعد ضيق طال انتظاره، وحين يقترن بمشاعر الفرح والامتنان فإنه يرمز إلى تجدد الحيوية والنشاط بعد فترة من الركود أو الكسل النفسي، وحين يصاحبه شعور بالتطهر فإنه يشير إلى زوال الهموم والأحزان المتراكمة واستعادة صفاء القلب. وفي المقابل فإن المطر قد يرمز أحياناً إلى الدموع والحزن المكبوت حين يقترن بمشاعر ثقيلة داخل الحلم، أو إلى مشقة وتعب حين يحول الطرقات إلى وحل يصعب السير فيه، أو إلى تغيير قسري حين يتحول إلى سيل جارف يأخذ من ممتلكات الرائي، وهذا التنوع بين الخير الصريح والتحدي العابر هو ما يميز هذا الرمز الغني عن كثير من رموز الأحلام الأخرى الأحادية المعنى. وقد نُسب إلى ابن سيرين في مواضع متفرقة من كتب التفسير المنسوبة إليه أن المطر من أكثر الرؤى المحمودة إذا جاء هادئاً نافعاً للأرض والناس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن غزارة المطر وشدته هي الفيصل الأهم في تحديد ما إذا كانت الرؤية تحمل بركة خالصة أو تحذيراً من إفراط يحتاج توازناً، مع التأكيد الشديد أن جميع هذه الأقوال اجتهادات منقولة عبر الأجيال تحتمل الصواب والخطأ ولا ترقى إلى درجة اليقين الديني القاطع بحال من الأحوال. وتبقى العوامل الحاسمة في أي تأويل لرؤية المطر هي شدته وهدوءه، ولونه وصفاءه، وحالة الرائي الشعورية أثناء الحلم، والسياق العام الذي يحيط بالمشهد من مكان وزمان وأشخاص، فلا يصح أبداً اجتزاء تفصيل واحد من الحلم والحكم عليه بمعزل عن بقية عناصره المتكاملة. وبالنسبة لجميع الفئات، من الفتاة غير المتزوجة إلى المرأة المتزوجة إلى الرجل إلى الحامل، فإن القاعدة الجامعة تبقى واحدة وهي أن المطر الهادئ النافع يبشر بخير يناسب ظرف كل منهم الخاص، بينما المطر المدمر العنيف يستدعي تمعناً أكبر في سياقه قبل الحكم عليه بأي معنى محدد. وفي ختام هذا العرض الجامع، يبقى الدرس الأهم الذي تحمله كل صور المطر في الأحلام مجتمعة هو أن رحمة الله واسعة تسع كل أحوال عباده، فلا يليق بالمؤمن أن يفسر أي رؤيا بما يسوؤه دون داعٍ، بل الأولى به أن يحسن الظن بربه في كل ما يراه، ويعلم علم اليقين أن هذا التفسير بجملته اجتهاد بشري ظني عرضة للخطأ والصواب، لا ينبغي أبداً أن يُتخذ أساساً لقرار حياتي حقيقي أو حكم قاطع على ما سيأتي من أيام، وأن خير ما يُقابل به أي حلم، سواء بدا مبشراً أو مقلقاً، هو الدعاء والاستخارة وتفويض الأمر كله لله رب العالمين، فالغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، وهو وحده القادر على تصريف الأمور كيف يشاء بحكمته البالغة.
ومن المفيد أيضاً أن يستحضر الرائي أن تفاصيل المطر الدقيقة تصنع فارقاً كبيراً في أقرب المعاني لحاله الخاص؛ فالمطر الممزوج بالذهب أو اللمعان النادر يميل للرزق المادي الواضح، والمطر النازل من سحابة بيضاء صافية يرجح البشارة الخالصة، بينما نزوله من سحابة سوداء كثيفة قد يحمل مقدمة هم تعقبها رحمة أكيدة، وهطوله في الصحراء القاحلة يرمز إلى معجزة صغيرة تنقذ الرائي من يأس طويل، في حين أن اقتصاره على بقعة صغيرة دون سواها يشير إلى عناية خاصة لا يشاركه فيها أحد من محيطه الأوسع. وكذلك فإن مرافقة الرعد والبرق للمطر تضيف بُعد المفاجأة والتنبيه، بينما خلوه منهما يرجح سكينة خالصة لا يعكر صفوها شيء، وهذا التنوع الهائل في جزئيات الرؤية الواحدة هو ما يجعل الرجوع لتفسير مفصل لكل حالة بعينها أجدى من الاكتفاء بهذه الخلاصة العامة وحدها.
